في اعياد الميلاد .... الصلاة والخير والتاريخ رهينة آلة الحرب في غزة

2025-12-24 / 12:05

في أعياد الميلاد، بينما يحتفل العالم بولادة السلام، تتذكّر غزة السنتين من الحرب المستمرة، وتتذكّر القنابل التي ضربت الكنائس والمساجد، وكيف أن ما تبقى من معنى للسلام صمد للحظة واحدة في ذكرى الميلاد، لتسأل العالم سؤالها القاسي: هل كانت ردّة فعلكم ستختلف لو لم نكن نحن؟ وهل يمكن للصمت، حين يطول، أن يبقى بريئًا، أم أنه يتحوّل، ببطءٍ وثبات، إلى شريكٍ كامل في الجريمة؟
Post image

نافذة- في غزة، لا يُعلَن انتهاء الحرب كي تنتهي، فالحروب هنا لا تسمع البيانات ولا تعترف بالهدن، بل تواصل عملها بصمتٍ يشبه الاعتياد، كأن القتل جزء من برنامج يومي لا يحتاج إلى تبرير. الحرب استمرت سنتين، خلالها قُصفت المساجد والكنائس بشكل متكرر، ودُمّرت آلاف البيوت، بينما العالم يراقب من مسافة آمنة، يكتب تقاريره بلغة باردة، ويُقنع نفسه أن الصمت شكلٌ من أشكال الحكمة.

غزة، التي كانت عبر العصور بوابةً للحضارات ومكانًا تداخلت فيه الأديان دون صخب، لم تعرف يومًا الصراع على السماء، لأن السماء كانت تتّسع للجميع. الكنيسة لم تكن غريبة عن المسجد، والمئذنة لم تكن تناقض الجرس، بل كانا معًا لغة المدينة، وصوتها الداخلي، وطمأنينتها العميقة. لكن الاحتلال، الذي لا يرى في الأمكنة إلا أهدافًا، قرر أن يحوّل الإيمان نفسه إلى ساحة حرب، فصار الحجر المقدّس خطرًا أمنيًا، وصارت الصلاة تهمة مؤجّلة.

خلال الحرب المستمرة، كان القصف يضرب المساجد والكنائس بلا هوادة، لكن في ذكرى الميلاد تذكير بان الكنائيس التي ترمزللسلام قصفت وأن آلة القتل التي لم تتوقف يومًا. فالكنائس التي تحمل تاريخًا أقدم من كثير من الدول الحديثة، والتي  صلّت فيها أجيال متعاقبة، وحفظت ذاكرة مدنٍ مرّت ثم رحلت، وجدت نفسها تحت القصف في معظم أيام الحرب، ولم تشفع لها قدسيتها ولا عمرها الطويل، بينما المساجد لم تخلُ من الاستهداف، بعضها على رؤوس المصلّين، وكأن الركوع ذاته فعل مقاومة يجب كسره.

بعد وقف الحرب الجزئي، لم تتوقّف الجريمة، بل تغيّرت تسميتها. صار القتل “حادثًا أمنيًا”، وصار الهدم “إجراءً وقائيًا”، وصار الدمار جزءًا من روتينٍ لا يستحق الغضب. العالم الذي يعرف كيف يغضب حين تُمسّ كنيسة في مكانٍ آخر، اختار هنا لغة التوازن، وكأن العدالة مسألة جغرافيا، وكأن القداسة تفقد وزنها حين تكون فلسطينية.

ويظلّ السؤال، الذي لا يُطرح إلا همسًا، حاضرًا بإلحاحه الثقيل: ماذا لو كان الفلسطينيون هم من دمّروا كنيسة؟ ماذا لو كان صاروخٌ فلسطيني قد أسقط صليبًا واحدًا؟ كيف كان سيبدو المشهد العالمي؟ أيّ بيانات طارئة كانت ستصدر؟ وأيّ خطابات عن الإرهاب وتهديد القيم الإنسانية كانت ستغمر الشاشات بلا تردّد؟

لكن لأن الفاعل “إسرائيلي”، والضحية فلسطينية، يُعاد ترتيب اللغة، ويُعاد تعريف الجريمة، ويصبح الصمت موقفًا عقلانيًا. هكذا، لا تُقاس الجريمة بالفعل، بل بالهوية، ولا تُقاس القداسة بالمكان، بل بمن يملك حق تفسيرها.

في غزة، لا تُقصف الكنائس لأنها كنائس، ولا تُدمّر المساجد لأنها مساجد، بل لأن هذه الأمكنة تحفظ ما يخشاه الاحتلال أكثر من أي سلاح: الذاكرة. ذاكرة تقول إن هذه الأرض عاشت التنوّع قبل أن تعرف الحدود، وإن الإيمان كان يومًا فعل طمأنينة لا مشروع قتل، وإن الإنسان، قبل أن يُقسَّم، كان واحدًا.

وفي أعياد الميلاد، بينما يحتفل العالم بولادة السلام، تتذكّر غزة السنتين من الحرب المستمرة، تتذكّر القنابل التي ضربت الكنائس والمساجد، وكيف أن ما تبقى من معنى للسلام صمد للحظة واحدة في ذكرى الميلاد، لتسأل العالم سؤالها القاسي: هل كانت ردّة فعلكم ستختلف لو لم نكن نحن؟ وهل يمكن للصمت، حين يطول، أن يبقى بريئًا، أم أنه يتحوّل، ببطءٍ وثبات، إلى شريكٍ كامل في الجريمة؟