تأمّلات في معركة كيّ الوعي
2025-12-28 / 17:14
ريما كتانة نزال
أن ﯾُﻌﺎد ﺗﻌرﯾف اﻷﺳﯾر ﻛﺣﺎﻟﺔ اﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ، واﻟﺷهيد ﻛواﺣد ﻣن ﻣﻠﻔﺎت اﻹﻋﺎﻟﺔ، هو ﺳﻘوط ﺑﺎرد ﻟﻠذاﻛرة ﻣن ﻋلٍ إﻟﻰ ﺟداول اﻹدارة. ﻛﺄن اﻟﻧﺿﺎل أﺻﺑﺢ ﺣﺎدﺛﺎً ﻋرﺿﯾﺎً، وﻛﺄن اﻟﺳﺟن ﻛﺎن إﻓﻘﺎراً ﻻ ﺗﺟرﯾﻣﺎً وﻋﻘوﺑﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻧﺿﺎل، وﻛﺄن اﻟﺷهادة ﻛﺎﻧت ﻗدراً اﻗﺗﺻﺎدﯾﺎً ﻻ ذروة اﻟﺗﺿﺣﯾﺎت وﺛﻣﻧﺎً ﻟﻠﺣرﯾﺔ.. ﻓﻲ ﻟﺣظﺔٍ ﺑﺎردة، ﺟرى إﻧزال اﻷﺳرى واﻟﺷهداء ﻣن ﻣﻘﺎﻣهم اﻟوطﻧﻲ إﻟﻰ ﺧﺎﻧﺔ اﻟﺣﺎﻻت اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ.
وﻛﺄن اﻻﻋﺗﻘﺎل ﻟم ﯾﻛن ﻓﻌل ﻣﻘﺎوﻣﺔ، وﻛﺄن اﻟﺷهادة ﻟم ﺗﻛن ذروة اﻻﻧﺣﯾﺎز ﻟﻠﺣرﯾﺔ، وﻛﺄن اﻷﺟﺳﺎد اﻟﺗﻲ ﻏﺎﺑت ﻋن اﻟﻣﺷهد ﻟم ﺗﻐب وهي ﺗﻌرف ﻟﻣﺎذا ﻏﺎﺑت ودﻓﻌت اﻟﺛﻣن. ﻟم ﯾﻛن اﻟﻘرار إدارﯾﺎً ﻓﺣﺳب، ﺑل كان رﻣزﯾﺎً ﻗﺎﺳﯾﺎً. ﻓﺣﯾن ﺗُﻔﺻل اﻟﺗﺿﺣﯾﺎت ﻋن ﻣﻌﻧﺎها اﻟﺳﯾﺎﺳﻲ، ﯾُﻔرّغ اﻟﻧﺿﺎل ﻣن ﺟوهره، وﯾُﺧﺗزل اﻟﺗﺎرﯾﺦ ﻓﻲ ﻣﻠف إﻋﺎﻧﺔ، وﺗُﺧﺗﺻر اﻟدﻣﺎء ﻓﻲ ﻣﻌﺎدﻟﺔ ﺣﺳﺎﺑﯾﺔ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﻘصّ واﻟﺣذف.
ﻓﻲ هذه اﻟواﻗﻌﺔ: ﯾﺗﺟرد اﻷﺳﯾر ﻣن ﺗﺎرﯾخه، واﻟشهيد ﻣن رﻣزﯾته، وﺗُﻔﺻل اﻟﺗﺿﺣﯾﺎت ﻋن ﺳﯾﺎﻗها اﻟﺳﯾﺎﺳﻲ ﻟﺗُدار ﻛﺄﻋﺑﺎء. ﺑهذا اﻟﻣﻌﻧﻰ ﻻ ﯾُﻌﺎﻗَب اﻷﺣﯾﺎء ﻓﻘط، ﺑل ﯾُﻌﺎد ﻋﻘﺎب اﻟوﻋﻲ وﺗﺷذﯾب اﻟذاﻛرة، وﻣن ﺛم ﯾُطﻠب ﻣن اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ أن ﯾﻧﺳﻰ ﻟﻣﺎذا دُﻓﻊ هذا اﻟﺛﻣن أﺻﻼً، ورﺑﻣﺎ أن اﻷﺧطر ﻓﻲ هذا اﻟﺗﺣوّل أنه ﻻ ﯾطﺎل اﻟﻣﺧﺻﺻﺎت ﻓﺣﺳب، ﺑل ﯾَطﺎل ﺗﻌرﯾﻔﻧﺎ ﻷﻧﻔﺳﻧﺎ: هل ﻛﻧّﺎ ﺷﻌﺑﺎً ﯾﻧﺎﺿل وﻻ ﯾزال، أم ﻣﺟﺗﻣﻌﺎً ﯾُدار؟!
ﻟم ﯾﻛن ﻣﺎ ﻣررﻧﺎ به ﻣؤﺧراً ﻣن أﺣداث ﻣﺗﻼﺣﻘﺔ ﻣﺟرد أﺣداث ﺗذهب إﻟﻰ ﺳﺑﯾلها وﺗﻧطوي، ﺑل ﻛﺎﻧت ﺗﺿﻊ ﻧﻘطﺔ ﻓﻲ ﻧهاﯾﺔ ﺳطر ﻣرﺣﻠﺔ اﻧطوت ﻋﻠﻰ اﻻﻣﺗﺣﺎن اﻷﻗﺳﻰ ﻟﻠﻣﻌﺎﻧﻲ واﻟﻣﻘﺎﺻد واﻟهوﯾﺔ، واﻧﺗﺻﺎر ﻣُﻌﻠن ﻓﻲ ﻣﻌرﻛﺔ ﻛﻲّ اﻟوﻋﻲ.
ﻓﻲ هذا اﻟﻣﻧﻌطف، ﻟم ﺗﻌد اﻷﺳﺋﻠﺔ ﺗدور ﺣول ﻣن اﻧﺗﺻر وﻣن اﻧهزم، ﺑل ﺣول ﻣﺎ اﻟذي اﻧﻛﺷف، وأيّ ﺳردﯾﺎت ﻟم ﺗﻌد ﻗﺎدرة ﻋﻠﻰ اﻟﺻﻣود، وأي أﻗﻧﻌﺔ ﺳﻘطت ﺗﺣت أﻗدام اﻟﺗﺎرﯾﺦ اﻟذي ﯾﺳﯾر ﻧﺣوﻧﺎ ﻛﺄﻓﻌﻰ، وأن ﻣﺎ أطﻠﻘﻧﺎ ﻋﻠيه ﺗﻘدﻣﺎً ﯾﻠوح ﻓﻲ اﻷﻓق ﻛﺎن ﻓﻲ ﻛﺛﯾر ﻣن اﻷﺣﯾﺎن إدارة ﻣؤﺟﻠﺔ ﻟﻠﻛﺎرﺛﺔ، ﺗﺗﻛﺳر ﻓﯾها اﻟﻣﻌﺎﻧﻲ ﻛزﺟﺎج رﺧﯾص، ﯾﺻﻌب جمعه ﻣن ﺟدﯾد، ﻻ أﻛﺛر وﻻ أﻗل.
اﻷﺳرى ﻟم ﯾﻛوﻧوا ﻓﻘراء ﺻدﻓﺔ، واﻟﺷهداء ﻟم ﯾﺳﻘطوا ﺑﺳﺑب هشاﺷﺔ اﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ، ﺑل ﻷﻧهم وﻗﻔوا ﻓﻲ اﻟﻣﻛﺎن اﻟذي اﺧﺗﺎرته ﻟهم اﻟﻘﺿﯾﺔ، ﻟﺗﻌود اﻟﻘﺿﯾﺔ ﻧﻔﺳها ﻟﺗﺿﻌهم ﻓﻲ ﺧﺎﻧﺔ ﻣﺗرادﻓﺎت اﻟرﻋﺎﯾﺔ ﻋوﺿﺎً ﻋن ﻣﻛﺎن ﻟﻐﺔ اﻟﻛراﻣﺔ، وﻣواﺟهة اﻟﺧﺳﺎرة اﻟﻔﺎدﺣﺔ ﻣرﺗﯾن: ﻣرة ﺣﯾن ﻋﺟزﻧﺎ ﻋن ﺣﻣﺎﯾﺗهم، وﻣرة ﺛﺎﻧﯾﺔ ﺣﯾن ﺗرددﻧﺎ ﻓﻲ اﻻﻋﺗراف اﻟﻛﺎﻣل ﺑﻣﺎ ﻣﺛّﻠوه.
هذه ﻟﯾﺳت ﻗﺿﯾﺔ ﻣﺧﺻﺻﺎت ﻓﻘط، ﺑل ﻗﺿﯾﺔ اﻟرواﯾﺔ: هل ﻣﺎ زﻟﻧﺎ ﻧرى ﻓﻲ اﻷﺳﯾر ﻓﺎﻋﻼً ﺳﯾﺎﺳﯾﺎً وﻓﻲ اﻟﺷهيد ﺣﺎﻣﻼً ﻟﻠﻣﻌﻧﻰ أم أﻧﻧﺎ ﻧﺧﺷﻰ اﻟﺣﻘﯾﻘﺔ إﻟﻰ درﺟﺔ إﻋﺎدة ﺻﯾﺎﻏﺗها ﺑﻠﻐﺔ ﻣﺣﺎﯾدة ﺗُرﺿﻲ اﻟﺧﺎرج وﺗُرﺑك اﻟداﺧل؟ ﻟم ﯾﻛن أﻛﺛر ﻣﺎ أوﺟﻊ ﻓﻲ هذا اﻟﻣﻧﻌطف هو ﺗﻘﻠﯾص اﻟﻣﺧﺻﺻﺎت، ﺑل ﺗﻘﻠﯾص اﻟﻣﻌﻧﻰ، وﺗﻛﯾﯾف اﻟذاﻛرة.
ﻻ ﯾوﺟد ﻧهاﯾﺔ ﻟﻣﺳﺎر ﻛﻲّ اﻟوﻋﻲ اﻟذي ﺣﯾن ﯾﺑدأ ﻻ ﯾﻧﺗهﻲ، ﻓﻲ ﺳﯾﺎق ﺣرب اﻹﺑﺎدة اﻟﻣﺗواﺻﻠﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺷﻌب واﻟﻘﺿﯾﺔ، ﻓﺎﻟﻣﺳﺎس ﺑﺎﻟﺣﻘوق اﻟواﺟﺑﺔ وﻓﺻﻠها ﻋن ﻣﻌﺎﻧﯾها اﻟﻣوﺿوﻋﯾﺔ وﻏﺎﯾﺎﺗها اﻟﻧﺑﯾﻠﺔ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻣن اﻟﺗﺣول ﻣﻊ اﻟوﻗت إﻟﻰ أﻋﺑﺎء، واﻟﻧﺿﺎل اﻟذي ﯾُدار ﻛﻣﺎ ﺗُدار اﻟﻣﻠﻔﺎت اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ، ﯾﻌﻧﻲ اﻋﺗذاراً واﺧﺗزال اﻟﻘﺿﯾﺔ اﻟﻣﻘدﺳﺔ وإﻧزاﻟها ﻣن ﻣﻛﺎﻧﺗها ﻛﻘﺿﯾﺔ ﺗﺣرر وطﻧﻲ ﻣن اﻻﺣﺗﻼل ﺑﻣﺎ ﯾُﻔﻘدها ﻗدرﺗها ﻋﻠﻰ اﻹﻟهام واﻻﺳﺗﻧهاض واﻟﺗﺿﺎﻣن اﻟدوﻟﻲ.. ﻟذﻟك ﺑﺎت اﻟﯾوم ﻣطﻠوﺑﺎً اﻟﻣﺳﺎرﻋﺔ إﻟﻰ إﻧﻘﺎذ اﻟﺳردﯾﺔ واﻟهوﯾﺔ ﻷﻧهما ﻓﻲ ﺧطر، وﻻ ﯾﻘﻼن أهمية ﻋن إﻧﻘﺎذ اﻟﺣﻘوق.