ما بعد الحرب على إيران... نحو تحالف إقليمي جديد

2026-03-09 / 17:50

Post image

 

ياسر مناع:

تُظهر التجارب التاريخية أن الحروب لا تقتصر آثارها على النتائج العسكرية المباشرة، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية التي نشأت فيها. لذلك، تنظر دوائر صنع القرار ومراكز البحث في إسرائيل إلى الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران بوصفها حدثًا يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة.

يركّز الخطاب الرسمي في إسرائيل على هدفين رئيسيين: إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصًا الصاروخية والبحرية، وتقويض قدرة طهران على تهديد إسرائيل وشركائها في المنطقة. لكن النقاش الإستراتيجي الآخر في إسرائيل يتعامل مع الحرب أيضًا باعتبارها فرصة لإعادة صياغة بنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.

تنطلق هذه القراءة من افتراض أن إسرائيل تنظر إلى نفسها بوصفها ركيزة في منظومة الدفاع الإقليمي، وأن إضعاف إيران قد يفتح نافذة لإعادة ترتيب شبكة التحالفات الأمنية والاقتصادية في المنطقة. في هذا السياق، يتناول جزء من النقاش السبل التي يمكن من خلالها تحويل النتائج العسكرية للحرب إلى مكاسب سياسية بعيدة المدى.

تشدّد مراكز بحثية مثل معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب ومعهد القدس للاستراتيجيا والأمن على أن المرحلة التي تعقب الحرب يجب أن تشهد محاولات لبناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة تقوم على تنسيق سياسي وعسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من دول الخليج. وتؤكد ضرورة تطوير منظومات الدفاع الجوي وتعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية وإنشاء آليات تنسيق لمواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أصبحت أحد أبرز أدوات القوة الإيرانية.

في هذا السياق، ينظر بعض الباحثين الإسرائيليين إلى الحرب باعتبارها فرصة لتحويل التعاون الأمني غير المعلن بين إسرائيل وبعض الدول العربية إلى تعاون أكثر مؤسسية ووضوحًا. فقد شهدت السنوات الأخيرة مستويات مختلفة من التنسيق الأمني غير العلني، خاصة في مجال تبادل المعلومات الاستخبارية ومراقبة النشاط الإيراني في المنطقة. وترى هذه القراءة أن السلوك الإيراني سيدفع بعض دول الخليج إلى إعادة تقييم سياساتها الأمنية والانفتاح على صيغ تعاون دفاعي أوسع؛ خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والإنذار المبكر.

لفت الرد الإيراني خلال الحرب انتباه الدوائر الإستراتيجية في إسرائيل إلى أهمية هذا الاحتمال. فقد أظهر انتقال المواجهة إلى استهداف القواعد والمصالح الأميركية في بعض الدول العربية أن الصراع مع إيران يمكن أن يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية للمواجهة.

كما أظهرت الضربات الصاروخية التي طالت بعض دول الخليج أن البنية التحتية المدنية والاقتصادية في المنطقة يمكن أن تصبح جزءًا من ساحة الصراع. هذا التطور دفع الدوائر الإستراتيجية في إسرائيل إلى التركيز على أن التهديد الإيراني يتجاوز الساحة الإسرائيلية، ويأخذ طابعًا أمنيًا إقليميًا أوسع يشمل دول المنطقة وبنيتها التحتية الحيوية.

في هذا الإطار، أشار يوئيل غوزانسكي، الباحث في برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي، إلى أن تعرض الجبهة الداخلية في دول الخليج لهجمات صاروخية قد يدفع حكومات هذه الدول إلى إعادة تقييم منظومات الدفاع والحماية المدنية لديها. ويرى أن هذه التجربة قد تعزز التفكير في صيغ تعاون أمني إقليمي أكثر تنظيمًا في مواجهة التهديدات المشتركة.

تنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة تتطلب منظومات دفاع متعددة الطبقات يصعب على دولة واحدة تطويرها بمفردها، ما يعزز الحاجة إلى تنسيق إقليمي في مجالات الإنذار المبكر والدفاع الجوي.

يرتبط هذا النقاش أيضًا بمستقبل اتفاقيات التطبيع التي أُبرمت خلال السنوات الأخيرة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. يرى بعض الباحثين الإسرائيليين أن إضعاف إيران قد يخلق بيئة سياسية أكثر ملاءمة لتوسيع هذه الاتفاقيات. إذ يشير يوسي كوبرفاسر من معهد القدس للاستراتيجيا والأمن إلى أن التهديد الإيراني المشترك يمكن أن يشكل أرضية لتطوير إطار إقليمي أوسع للتعاون. وفق هذا التصور، يتجاوز التطبيع إطار العلاقات الثنائية بين إسرائيل والدول العربية، ويتطور إلى جزء من بنية تعاون إقليمي متعددة الأطراف في مجالات الأمن والتنسيق الإستراتيجي.

تطرح بعض التحليلات الإسرائيلية تصورًا أوسع لدور إسرائيل داخل هذه المنظومة الأمنية. يشير أفنير غولوف، نائب رئيس مركز Mind Israel، إلى أن الحرب مع إيران تضع إسرائيل في موقع متقدم داخل شبكة الشراكات الأمنية في المنطقة. وفق هذا التصور، تتجاوز مكانة إسرائيل إطار الحليف الإقليمي للولايات المتحدة، وتتجه نحو دور أكثر فاعلية في بناء منظومة تعاون دفاعي إقليمي.

يستند هذا الطرح إلى الخبرة العملياتية التي طورتها إسرائيل في مجالات الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي قدرات تزداد أهميتها في بيئة الصراع الإقليمي التي تتسم بتصاعد استخدام الصواريخ الدقيقة والطائرات غير المأهولة.

مع ذلك، لا ينحصر النقاش الإستراتيجي في إسرائيل في سيناريو التحالف الإقليمي ضد إيران. فقبل اندلاع الحرب أشار تقدير صادر عن معهد القدس للاستراتيجيا والأمن، نشر يوم 24 فبراير 2026، إلى احتمال مختلف يتمثل في تبلور محور إقليمي جديد يقوم على تقاطع المصالح بين بعض الدول السنية والشيعية. رأت تلك القراءة أن التفاهمات التي بدأت تتشكل بين طهران وبعض العواصم الخليجية قد تخلق بيئة إقليمية تحدّ من قدرة إسرائيل على توسيع نفوذها السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة.

انطلقت هذه التقديرات من ملاحظة أن عددًا من دول الخليج سعى خلال السنوات الأخيرة إلى خفض مستوى التوتر مع إيران، إضافة إلى محاولات السيطرة المشتركة على البحر الأحمر. في هذا السياق، فإن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى نشوء تحالف قد يفرض قيودًا إضافية على هامش الحركة الإستراتيجية لإسرائيل.

لذلك، يتحتم على إسرائيل العمل على تفكيك هذا المسار ومنع تحوله إلى محور إقليمي فاعل قد يؤثر في موازين القوة في الشرق الأوسط. في هذا السياق، ينظر بعض الباحثين إلى الحرب مع إيران باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية في المنطقة بطريقة تحدّ من إمكانات التقارب بين إيران ودول الخليج.

مع ذلك، لا يفترض هذا النقاش أن تشكيل تحالف إقليمي جديد مسألة محسومة، فالعلاقات بين إسرائيل ودول الخليج ما زالت محكومة بعوامل سياسية معقدة. من بين هذه العوامل استمرار القضية الفلسطينية بوصفها عنصرًا مؤثرًا في الحسابات الإقليمية، إضافة إلى التحفظات التي تبديها بعض الدول العربية تجاه السياسات الإسرائيلية في المنطقة.

بالتالي، يرتبط نجاح هذا السيناريو بعدة عوامل، من بينها نتائج الحرب نفسها، ومدى قدرة الولايات المتحدة على لعب دور الضامن لترتيبات الأمن الإقليمي، ومستوى استعداد دول الخليج للانتقال من التعاون الأمني غير المعلن إلى شراكات أكثر وضوحًا. كما يتوقف على قدرة إسرائيل على النجاح في تقديم نفسها خبيرًا وشريكًا أمنيًا موثوقًا في مواجهة التهديدات الإقليمية.

في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى الحرب على إيران بوصفها لحظة مفصلية في التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي. فهي لا تُقرأ فقط باعتبارها مواجهة عسكرية تهدف إلى تقويض القدرات الإيرانية، وإنما اختبارًا لإمكانية إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كانت نتائج الحرب ستقود بالفعل إلى بناء ترتيبات إقليمية جديدة، أم أن التعقيدات السياسية في المنطقة ستحدّ من قدرة هذه الأفكار على التحول إلى واقع عملي.

(عرب 48)