حين يصبح الطفل "مخرّبًا"
2026-03-16 / 16:50
سهيل كيوان:
في الوقت الذي يراقب فيه العالم أحداث الحرب الكبيرة في الخليج والعدوان الإسرائيلي-الأميركي على إيران، حيث يدور الحديث عن آلاف الأطنان من القنابل والغارات الجوية والصواريخ البالستية، وعن موازنات عسكرية وتحالفات دولية، وأزمة طاقة وشروط لوقف القتال، تجري على الأرض حروب أصغر في القرى الفلسطينية في الضفة الغربية.
بعيدًا عن شاشات التحليل الإستراتيجي، تتعرض القرى لهجمات المستوطنين واقتحامات الجيش، ويسقط الضحايا، بعضها يُعلن عنه وبعضها يبقى حتى دون تغطية إعلامية، نظرًا للعدد الكبير من هذه الجرائم التي تحولت إلى نهج يومي.
قبيل فجر الأحد، بينما كانت عيون العالم مشدودة إلى الخليج وتل أبيب، قتلت قوة خاصة من جيش الاحتلال أربعة من أبناء أسرة واحدة.
في كل مرة ترتكب فيها جريمة كهذه، يُطرح السؤال ذاته: إلى أي مدى يمكن أن يصل الاحتلال في همجيته حين يصبح واقعًا يوميًا يفقد فيه الإنسان القدرة على رؤية إنسانية الآخر؟
عائلة كاملة من قرية طمون في قضاء نابلس: الأب علي خالد بني عودة وزوجته وطفلاه، في الخامسة والسابعة من العمر، ونجا طفلان آخران. في الدقائق الأولى بعد الحادثة، خرجت الرواية المعتادة في بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية: وحدة خاصة قتلت أربعة "مخربين". كلمة واحدة تُقال بسرعة، وكأنها تفسر كل شيء. هذه الوسائل الإعلامية لا تعتذر عن وصفها للأطفال بالمخربين بعد كشف الحقيقة، بل تستمر في نشر أخبارها وتحليلاتها بصورة طبيعية.
الحديث عن أسرة عائدة في سيارتها بعد جولة ترفيهية في نابلس. وعلى لسان أحد الطفلين اللذين نجيا من المجزرة، فقد أجّل رب الأسرة وزوجته شراء ملابس العيد لأولادهما إلى الغد.
يتحول التلاعب باللغة إلى غطاء للجريمة. فبمجرد تعريف الضحايا بأنهم "مخربون"، تسقط المحاسبة عن مرتكبي الجريمة. والتبرير الوحيد لهؤلاء الجنود هو أن السيارة التي أقلت الضحايا لم تتوقف أو أنها تحركت باتجاههم. ويشهد الطفل الذي نجا من المجزرة أن الجنود ضربوه وضربوا شقيقه الناجي الآخر، وسمعهم يصفون أبناء أسرته الشهداء بالكلاب، كما منعت قوات الاحتلال الطواقم الطبية من الوصول إلى السيارة التي كانت فيها الأسرة الشهيدة إلا بعد تأخير.
عند تلك اللحظة، لا يعود الحديث عن التباس أو خطأ في تحديد الهدف، بل عن عقيدة كاملة تنزع عن الضحايا إنسانيتهم.
لقد فُضحت رواية الاحتلال ولا يمكن "لفلفتها" لأن بين الضحايا أطفالًا وزوجةً وزوجًا. ولكن ماذا لو كان في السيارة أربعة شبان خرجوا للترفيه في نابلس وقتلوا عند عودتهم إلى قريتهم في كمين؟ طبعًا سوف تمر الجريمة على أنهم كانوا، كما يبدو، مسلحين أو كانوا بصدد عمل ما ضد قوات الاحتلال، ولما ظهرت الحقيقة، بل ربما ظهر الجنود كمن قاموا بعمل بطولي.
منذ عقود تحولت أسماء أطفال فلسطينيين إلى رموز إنسانية مأساوية، والأمثلة أكثر من أن تُحصى. أشدها وحشية ما جرى في حرب الإبادة الأخيرة في قطاع غزة، والأعداد الهائلة من الأطفال الضحايا.
لغة الأرقام تخفي حجم المأساة الإنسانية وراءها. فعندما يُقتل طفل واحد يكون ذلك مأساة، لكن عندما يُقتل الآلاف يتحول الأمر في الخطاب السياسي إلى إحصائية باردة. وعندما يصبح قتل الفلسطينيين بالجملة، والوصول إلى داخل بيوتهم ومزارعهم وقتلهم فيها، عادة يومية، يتحول الحدث إلى أمر مسلّم به، يتعايش معه القسم الأكبر من الرأي العام الإسرائيلي، الراضخ لسموم الإعلام والتحريض الفاشي المتطرف.
في حالة طمون، تعود القصة إلى بدايتها البسيطة والقاسية: أطفال قُتلوا، وأطفال آخرون بقوا أحياء يحملون ذاكرة تلك الليلة الرهيبة. هذه القصص تعود على نفسها منذ عام النكبة حتى يومنا، ولكن بصور أشد همجية ووحشية. وما زلنا نسمع من مسنين نجوا من المجازر يوم كانوا أطفالًا، ينقلون شهاداتهم إلى الأجيال التي تلتهم.
الاحتلال لا يعني فقط السيطرة على الأرض والأملاك، ولا يعني ارتكاب جرائم قتل همجية فحسب، بل أيضًا ما يتركه في النفوس من ذل وخوف وغضب وندوب لا تزول، وأحقاد ورغبات في الانتقام. وعندما يصل الأمر إلى حد أن يُنظر إلى الطفل بوصفه "مخربًا"، فإن المشكلة لا تكون في حادثة واحدة، بل في واقع كامل موبوء بأقذر النظريات العرقية والعنصرية التي تنزع عن الآخر إنسانيته، وتحوّل قتله إلى أمر يمكن تبريره بسهولة في الخطاب. فحين يصبح الطفل "مخربًا"، تصبح الجريمة خبرًا عابرًا، ويصبح الضمير الإنساني هو الضحية الأخيرة.
(عرب 48)