ليس محو عار 7 أكتوبر فقط بل تركيع المنطقة مجددًا

2026-03-14 / 17:39

Post image

 

سليمان أبو ارشيد:

يعتقد العديد من المحللين الإسرائيليين أن كل ما يقوم به بنيامين نتنياهو منذ السابع من أكتوبر من حروب شعواء غير منتهية، له هدف واحد هو محو وصمة السابع من أكتوبر من سجله ومن ذاكرة الإسرائيليين، بوصفها "الكارثة الأكبر" التي حلت باليهود منذ المحرقة النازية، وفق تعبيرهم، وأنه بعد أن فشلت حروبه على غزة ولبنان وسورية في تحقيق هذا الغرض، سينجح بذلك في الحرب على إيران، بما تمثله الأخيرة من "تهديد وجودي" كان قد ساهم على مدى سنوات بترسيخه في مخيال الإسرائيليين.

وإن كان هذا التحليل فيه الكثير من الصواب، فإنه يبقى منقوصًا وأحادي الجانب، كونه يغفل جوانب هامة أخرى. فالأمر يتعدى العامل الشخصاني الذي يلعب دورًا مهمًا في اعتبارات نتنياهو، خاصة إذا ما أدركنا أن الحديث يدور عن زعيم أيديولوجي يعتبر نفسه امتدادًا لتيار صهيوني "ظُلِم تاريخيًا"، وفق منظوره، ويسعى إلى تعويض هذا "الظلم" عبر استغلال تسيده المرحلة السياسية الراهنة، بما يحيطها من عوامل محلية ودولية داعمة لتحقيق رؤيته السياسية وأحلامه الأيديولوجية بأقصى الدرجات.

من هنا، فإننا نرى أن الانقلاب الذي حدث في سياسة إسرائيل بقيادة نتنياهو بعد السابع من أكتوبر، غير مدفوع بغريزة الانتقام ومحو البصمة التي خلفها هذا الحدث فقط، بل هو إعادة تأكيد ما كانت إسرائيل قد ظنت أنه تأكد بعد الضربات التي وجهتها للعرب في حربي 67 و73، التي قادت إلى كامب ديفيد، والضربات التي وجهت للفلسطينيين في حرب 82، والتي قادت إلى أوسلو، وما تبعها من إعادة احتلال المدن وتسميم عرفات، التي رسخت المرحلة الانتقالية كحل دائم في الضفة، وخطة "فك الارتباط" التي عزلت قطاع غزة وحاصرته.

بمعنى أن إسرائيل التي فرضت السلام أو الاستسلام على العرب والفلسطينيين بالقوة العسكرية، ثم انتقلت إلى استثمار القوة الناعمة عبر تطبيع وضعها في المنطقة والتمدد السياسي من خلال ما عرف بالاتفاقيات الإبراهيمية التي تجاوزت القضية الفلسطينية، وحولت إسرائيل أو كادت إلى قوة حليفة ورائدة في المنطقة، عادت تلوّح مرة أخرى بالعصا الغليظة في وجه القوى الفلسطينية والإقليمية الناشئة، التي تمردت على هذا الواقع وسعت إلى إحباط مخططاتها تلك، دون أن تتخلى عن هدف تطبيع وضعها في المنطقة واحتلال الموقع الذي ترى أنها تستحقه في قيادتها أو الهيمنة عليها.

في هذا السياق، لا خلاف جوهري بين مقولة بيرس "السلمية" حول الشرق الأوسط الجديد، التي سبقتها حروب كاسرة و"تكسير عظام" خاضها مع شريكه رابين قبل أن يتحولا إلى حمامتي سلام، وبين مقولة نتنياهو حول تغيير وجه الشرق الأوسط، سوى في كون الثانية لما تزل في مرحلة التبلور الأولى التي تتطلب إزالة ما يعتبرها عقبات في وجه تحقيقها، إذ إن كليهما يعتمد على الإخضاع والتمدد ومصادرة حقوق الشعب الفلسطيني والهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية.

وإذا كان الإخضاع والتوسع والهيمنة يقع في صلب العقيدة والممارسة الصهيونية بغض النظر عن تباين تياراتها، فإن الرفض والمقاومة يقعان في صلب الحمض النووي للشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة. وكما استبدلت فتح بحماس فلسطينيًا، وأمل بحزب الله لبنانيًا، ومصر بإيران إقليميًا، فإن إسرائيل ذاتها، وفي أوج حربها على ما تسميه بالمحور الشيعي، بدأت تتحدث عن ما تسميه بمحور سني جديد تقف على رأسه تركيا.

وبغض النظر عن نتائج الحرب على إيران وعلى لبنان وعلى غزة، فإن تلك الحروب التي تميط اللثام عن الوجه الحقيقي لإسرائيل وطبيعتها الاستعمارية التوسعية ودورها الوظيفي في المنطقة، تشكل وقودًا للصراع الطويل لشعوب المنطقة وأقطارها مع المشروع الكولونيالي الذي يستهدف أرضها ومقدراتها.

(عرب 48)