عندما تحضر غزّة في الانتخابات البلدية الفرنسية

2026-03-26 / 17:17

Post image

 

ولاء سعيد السامرائي:

رأى زعيم حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلانشون أن حزبه قد أنجز اختراقاً مهمّاً في الانتخابات البلدية الفرنسية (15 – 22 مارس/ آذار الجاري)، حين فازت قوائمه في ست مدن كبيرة، وانتُخب ألف مرشّح في مدن أصغر، وفي قرى في أنحاء البلاد، ليقودوا بلديات هذه المناطق، ويشكّلوا كتلاً حزبية لها برنامجها وتأثيرها. ويُعدّ ذلك نجاحاً معتبراً للحزب الذي وُلد قبل عشر سنوات. واعتبر منسّق الحزب مانويل بومبار أن الاختراق الذي حققه الحزب في الدور الثاني يدلّ على اتساع انتشار الحزب والاهتمام المتزايد به من الفرنسيين، وأنّها تمثّل مرحلةً حاسمةً تهيئ لخوض الانتخابات الرئاسية في العام المقبل 2027، لإنهاء (وكنس) الماكرونية وسياساتها المأساوية.

حضرت غزّة في اليوم التالي لـ"7 أكتوبر" (2023) في تصريحات حزب فرنسا الأبية ونشاطاته، دون سائر الأحزاب الأخرى، وهو موقف تاريخي لن يُنسى له ولا لنوابه، إذ دعا ميلانشون إلى وقف الحرب حالاً، ودان استمرار عمليات دولة الاحتلال الهمجية غير المبرّرة ضدّ أهل غزّة، ولم يخضع للابتزاز الذي مارسته عليه بقية الأحزاب للضغط عليه وعلى الحزب لتغيير موقفه، بل بادر باقتراح حلول على الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته لوقف الحرب، وحثّ الأحزاب على اتخاذ موقف إنساني إزاء حقوق الشعب الفلسطيني وأهل غزّة والقضية الفلسطينية. لم تُخِفه الهجمات العنيفة والقاسية واتهامه بمعاداة السامية، ليس فقط من الأحزاب والرئيس ماكرون، بل وأيضاً من الإعلام المهيمن والصهيوني الذي يعمل على مدار الساعة لشيطنته وشيطنة حزبه ونوابه. انتقد ميلانشون ونواب حزبه مواقف الرئيس والحكومة ورئيسة الجمعية الوطنية من حرب الإبادة وتصريحاتهم بشكل منتظم، وقاموا بمبادرات عديدة، ومستمرّون، الأمر الذي عكّر صفو علاقات الحزب ونوابه الـ69 مع الحزب الاشتراكي وحزب البيئة، وبالأخصّ في انتخابات الأسبوعين المنصرمين، ومنعت الحزب الاشتراكي والخضر من دمج قوائمهما في بعض المدن ليخسرا.

تاريخياً، يُعتبر الحزب الاشتراكي الفرنسي مؤيّداً وداعماً كبيراً لدولة الاحتلال وللصهيونية، لكن استقبال الرئيس الراحل فرانسوا ميتران الراحل ياسر عرفات الذي صرّح من ياريس (وقتها) بأن موقف منظمة التحرير من "تدمير" الاحتلال الموجود في ميثاقها أصبح من الماضي، ودعوة ميتران إلى قيام دولة فلسطينية من منبر الكنيست، سجّل للحزب الاشتراكي وبقوة موقفاً سياسياً من القضية الفلسطينية. ودعا فيما بعد قادةٌ منه إلى تبنّي موقف ميتران الذي استمرّ حتى وفاة الرئيس جاك شيراك، لينقلب إلى موقف معادٍ منذ ذلك الحين، بتأثير التغلغل الصهيوني الكبير، ومن ضغوط اللوبي وشركاته التي تشتري المواقف وتبيعها، كما الحال في الولايات المتحدة.

ارتعب الكيان ومجرم الحرب نتنياهو واللوبي في فرنسا حينما صرّح جان لوك ميلانشون بأنّه سيعلن الاعتراف بالدولة الفلسطينية بعد أسبوعَين من وصوله إلى الحكم، ومن ضمّ حزب فرنسا الأبية النائبة الأوروبية ريما حسن، الفرنسية من أصول فلسطينية، لتتضاعف الهجمات والملاحقات والتهديد بالموت والقتل وتخريب مقارّ بعض النواب النشطاء من أجل غزّة مرّات، ووقعت محاولتا اغتيال لزعيم الحزب نفسه تمكّنت الشرطة من القبض على أصحابهما، ولم تصفهما الحكومة الفرنسية بالإرهاب، ولم يتناولهما الإعلام المهيمن الفاشي ولو ببضعة سطور أو خبر. ببساطة، لأنّهم من أتباع الاحتلال المستمرّ في شيطنة حزب فرنسا الأبية، ولم تعد تلصق به تهمة معاداة السامية (لم يثبت وجودها وزير الداخلية برونو ريتايو نفسه لا عند زعيم الحزب ولا عند أيّ من نوابه)، بل تفتّقت العقول المريضة عن قصص أخرى. لقد وجد وزير الداخلية، ومن يشاطره محبّة دولة الاحتلال وجرائم الإبادة في غزّة، وسائل أخرى قبل الانتخابات لتخويف الناخبين الفرنسيين من انتخاب مرشّحي الحزب، فقد أطلق الإعلام المهيمن عليهم صفة "اليسار المتطرّف" قبل الانتخابات، بعد أن وجد المصطلح أحد أتباع مجرم الحرب نتنياهو العامل في صحيفة ليبراسيون، اليسارية سابقاً والمحتلّة اليوم من الصهاينة، ليردّ ميلانشون ضاحكاً: "يسار أو يسار متطرّف، قولوا ما يحلو لكم، لدينا اسم هو فرنسا الأبية وسنبقى كذلك". وحالاً بعد ظهور نتائج الانتخابات، حذّر وزير الداخلية برونو ريتايو الناخبين من فاشية "اليسار المتطرّف" ومعاداته للسامية التي لا تمتّ بصلة إلى قيم (وتاريخ) فرنسا وأحزابها السياسية. علماً أنّ تاريخ فرنسا يحدّثنا أنها، عبر قرون، طردت اليهود 11 مرّة، وهي معروفة أكثر من أيّ دولة أوروبية بمعاداة السامية حتى الحرب العالمية الثانية، وقد سلّمت حكومة فيشي 76 ألف يهودي إلى ألمانيا خلال الحرب، وهذا ما يجعلها تخضع دائماً للابتزاز من دولة الاحتلال ومن اللوبي، وتقبل بإلصاق تهم الإرهاب بالعرب والمسلمين، ونشر الإسلاموفوبيا، وحرمان الفرنسيين من أصول عربية من التمتّع بالديمقراطية السياسية كي لا يصلوا إلى مناصب السلطة، وهو عكس ما حدث في هذه الانتخابات من اختراق حقّقه حزب فرنسا الأبية، وفرنسا على أعتاب انتخابات رئاسية ربّما ستكون تاريخية بعد عام.

حضرت غزّة في انتخابات أجيال فرنسا الجديدة التي شارك فيها إضافة إلى المنتمين الشباب للحزب من "جيل زد"، أجيال شهدت حرب الإبادة، وكانت شاهداً على حقيقة دولة الاحتلال التي تزعم إنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وأنّ جيشها هو الجيش الأكثر أخلاقية، وعلى التواطؤ اللا أخلاقي لدول وأحزابٍ كثيرة وصمتها ومحاربتها كلّ نشاط داعم لوقف جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، غير عابئين بهيمنة الخطاب الإعلامي الفاشي ضدّ فرنسا الأبية. انتخابات تشهد على بداية نهاية حقبة سياسية وجيلية، وانبثاق جيل يعيش برنامج فرنسا الأبية السياسي كما يطرحه الحزب، ويتحدّث عنه زعيمه جان لوك ميلانشون في مداخلاته كلّها (خصوصاً أنه وُلد في المغرب من أبوين فرنسيين هاجرا ليعيشا هناك ثم عادا إلى الوطن)، يعرف ما يعيشه المهاجرون وكلّ من اضطر للهجرة والتغرّب عن بلاده ليستقرّ في أنحاء أخرى، كما هو حال المهاجرين إلى فرنسا في كلّ العصور، وليس فقط في العصر الحديث.

منذ بدء حرب الإبادة وزعيم "فرنسا الأبية" يخاطب أجيالاً نشأت وتربّت ودرست وتزوّجت في المدن الفرنسية مع أبناء المهاجرين، ليس من الدول العربية والإسلامية فقط، كما يحلو لليمين المتطرّف وللصهاينة تسويقه من أجل الفتنة والتحريض ضدّ العرب والمسلمين. لا يفوت ميلانشون أيَّ فرصة لتوعية الفرنسيين بما يجري، ليس فقط في بلدهم، ولكن في العالم، لتفكيك سرديات العنصرية والإسلاموفوبيا وكراهية الآخر، بحديث عن زيادة استثنائية لعدد السكّان في العالم، وعن الاختلاط والتمازج الطبيعي بسبب التحوّلات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية والديموغرافية، وينصح مستمعيه ويذكّرهم بالأهم وبالأساسي في العلاقات البشرية، أن يجتمعوا حول القضايا الكبيرة التي تهمّهم، وليس حول لون بشرة هذا وذاك أو حول دينهما، ليفكّك بالحجّة والتاريخ السرديات المسمومة التي تُبثّ ليل نهار في الإعلام المهيمن وعلى لسان أحزاب اليمين واليسار المتصهينة، ومن ورائها نتنياهو واللوبي الصهيوني، المحرّضة على العنف وكراهية الآخر، ليس في فلسطين المحتلّة وحسب، بل في فرنسا والولايات المتحدة وأوروبا.

(العربي الجديد)