الآثار الاقتصادية لتزايد الهجرة من إسرائيل
2026-03-28 / 18:51
امطانس شحادة:
مع دخول الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران ولبنان شهرها الثاني، بات واضحًا أن تكلفتها الاقتصادية والمالية ستتجاوز التقديرات والحسابات الأولية. ففي بداية الحرب، خصّصت الحكومة الإسرائيلية نحو 39 مليار شيكل كميزانية أولية لتغطية التكاليف العسكرية والمدنية. إلا أن تقديرات وزارة الأمن تشير إلى أن احتياجات الوزارة وحدها قد تصل إلى نحو 40 مليار شيكل لتغطية نفقات الحرب، ما يعني أن الكلفة الفعلية مرشحة للارتفاع بشكل أكبر.
وتأتي هذه التكاليف إضافةً إلى كلفة الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والتي بلغت نحو 400 مليار شيكل، وفقًا لتقرير بنك إسرائيل لعام 2025 الصادر في 23 آذار/ مارس 2026، ما يعني تزايد الضغوط على الاقتصاد الإسرائيلي واحتمال تراجع الأوضاع الاقتصادية.
للحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران ولبنان تداعيات اقتصادية واسعة يصعب حصرها أو تقييمها بالكامل في هذه المرحلة، بالإضافة الى الآثار الأمنية. فإلى جانب الكلفة المالية والاقتصادية المباشرة، هناك آثار بعيدة المدى على الاقتصاد الإسرائيلي. الدمج بين تراجع الحالة الأمنية والأوضاع الاقتصادية له تأثير مباشر في تزايد الهجرة من إسرائيل، كما يوضح تقرير بنك إسرائيل، خاصةً بين شرائح من الطبقتين الوسطى والعليا، التي تُعد من الفئات الاقتصادية المنتِجة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي. وقد ازدادت هذه الظاهرة بالفعل منذ اندلاع الحروب التي شنتها إسرائيل بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
الحرب ترفع ميزان الهجرة السلبي
تناول تقرير بنك إسرائيل لعام 2025، الصادر في 26 آذار/ مارس، الآثار الاقتصادية لتزايد ظاهرة الهجرة من إسرائيل، ولا سيما انعكاساتها السلبية، والمقلقة بحسب بنك إسرائيل، على سوق العمل وسوق الإسكان.
وفقًا للتقرير، شهدت الأعوام 2024–2025 تحولًا حادًا في ميزان الهجرة في إسرائيل، إذ أصبح سلبيًا لأول مرة منذ سنوات طويلة. فقد بلغ معدل ميزان الهجرة نحو 20 ألفًا سنويًا، مقارنةً بميزان هجرة إيجابي في الأعوام 2016–2019، ما يعكس فارقًا يقارب 40 ألف شخص. وحتى بعد استثناء المهاجرين اليهود المؤقتين، يظل الحديث عن انخفاض صافٍ بعشرات الآلاف من السكان. ولا يُعدّ هذا التحول ضمن هامش الخطأ الإحصائي، وينطوي على تداعيات مباشرة على بنية الاقتصاد وسوق العمل، ولا سيما سوق الإسكان.
يربط تقرير بنك إسرائيل ظاهرة الهجرة السلبية بالحروب التي خاضتها إسرائيل منذ عام 2023، إضافةً إلى تراجع الأوضاع الاقتصادية. ويشير إلى أن مؤشرات الضغوط الاقتصادية، والتي كانت قائمة حتى قبل الحرب، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة شراء المساكن، وحالة عدم اليقين الاقتصادي، تؤثر في ارتفاع الهجرة. وعليه، قد لا تكون الحرب قد أوجدت هذه الظاهرة بقدر ما سرّعتها.
وتُظهر المعطيات أن الأُسر، ولا سيما تلك التي تتمتع بقدرة على التنقل الدولي، تتخذ قرارات الإقامة ليس فقط على أساس الاستقرار الاقتصادي، بل أيضًا بتأثير الأوضاع السياسية والأمنية. ويشير بنك إسرائيل إلى أنه من المبكر الجزم بما إذا كانت هذه الظاهرة مؤقتة أم تمثل اتجاهًا مستمرًا، إلا أن مجرد الانتقال إلى ميزان هجرة سلبي يُعدّ حدثًا استثنائيًا بكل المقاييس الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، يمكن الافتراض أن استمرار الحرب الحالية، إلى جانب حالة عدم الاستقرار الأمني شبه الدائم، فضلًا عن التدهور الاقتصادي الناجم عنها، قد يؤدي إلى اتساع نطاق الهجرة من إسرائيل، وما يرافق ذلك من آثار سلبية على الاقتصاد الإسرائيلي.
الضرر على أسواق العمل والإسكان
لا تقتصر الهجرة السلبية على بعدها الديمغرافي فحسب، بل تنطوي أيضًا على أبعاد اقتصادية عميقة. فبحسب بنك إسرائيل، غادر نحو 9,000 عامل من سوق العمل سنويًا فوق المعدل السابق، ما يشكّل ضربة مباشرة لقوة العمل، لا سيما في القطاعات المتقدمة والمهن التي تُعدّ محرّكًا للنمو والتطور.
إحدى الاستنتاجات المهمة التي تبرز من المعطيات هي أن الهجرة ليست متجانسة، وأن حصة ملحوظة من المغادرين تنتمي إلى الفئات الأقوى اقتصاديًا: شباب متعلمون، عاملون في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، وأصحاب دخل مرتفع. ويؤدي ذلك إلى تقليص إمكانات النمو الاقتصادي، وتآكل الشعور بالأمان الاقتصادي، بما قد ينعكس أيضًا على سوق العقارات من خلال تراجع مستويات الدخل، وانخفاض الطلب الاستثماري وتراجع المبيعات. وهذا يعني أن التأثير لا يقتصر في حجم الطلب في سوق الإسكان فحسب، بل يمتد أيضًا إلى نوعيته، مع تراجع عدد المشترين من ذوي القدرة الشرائية المرتفعة.
بذلك، لا تقتصر آثار الهجرة السلبية على النمو الاقتصادي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى التركيبة السكانية وأنماط الطلب في سوق الإسكان، مع تراجع الطلب على الشقق والمنازل. فقد غادرت نحو 10 آلاف أسرة إسرائيلية سنويًا في المتوسط خلال العامين الأخيرين، وهو ما انعكس في انخفاض الطلب على الشقق الجديدة، وتراجع الإقبال على المساكن الفاخرة، وتضرّر مشاريع البناء، لا سيما في مركز البلاد. وتشير معطيات مركز أبحاث الكنيست ودائرة الإحصاء المركزية إلى أن جزءًا كبيرًا من الطلب في سوق الإسكان يصدر عن هذه الفئات. وعليه، فان تراجعًا نسبيًا محدودًا في أعدادها حتى، قد يُحدث تأثيرًا غير متناسب على قطاعات معينة من السوق.
في مثل هذا السيناريو، لا يقتصر الأمر على تراجع عدد المشترين، بل يمتد إلى تحول أوسع في تركيبة الطلب، مع خروج فئات قوية تقود سوق العقارات، ولا سيما سوق الشقق الجديدة مرتفعة الثمن. وقد يفضي ذلك إلى انخفاض أكثر حدة في الطلب في المناطق المركزية، وإلى ضغوط على أسعار المشاريع الجديدة، خاصة تلك الموجّهة إلى المشترين ذوي الملاءمة المالية العالية، إضافةً إلى تأثيرات أوسع على السوق ككل.
ومع ذلك، وبحسب التقرير، لا يُتوقع بالضرورة حدوث انهيار واسع في الأسعار حتى في مثل هذا السيناريو، وذلك بسبب القيود المستمرة على جانب العرض في قطاع البناء. وبدلًا من ذلك، قد يكون السوق أكثر تعقيدًا، يتميز بانخفاضات أسعار موضعية إلى جانب استقرار نسبي في مناطق أخرى.
علاوة على ذلك، فإن اتساع ظاهرة الهجرة السلبية يبعث بإشارة عدم ثقة إلى السوق، ما قد يدفع مشترين محتملين آخرين إلى التريث والبقاء خارج السوق. وفي المحصلة، إذا استمر هذا الاتجاه، فلن يتأثر الاقتصاد فحسب، بل أيضًا سوق الإسكان، الذي لن يبقى بمنأى عن هذه التطورات. وسيظهر هذا التأثير أساسًا في تراجع الطلب وتعميق حالة عدم اليقين، إلى جانب ترسّخ سلوك الترقب لدى المشترين المحتملين، وهو ما يُرجّح أن ينعكس لاحقًا على أسعار الشقق الجديدة وسوق إسكان اليد الثانية.
بالمجمل، يُظهر تقرير بنك إسرائيل أن تأثير ظاهرة الهجرة من إسرائيل لا يقتصر على البعد الديمغرافي، بل يمتد ليشمل أبعادًا اقتصادية عميقة، خاصة في ظل كون غالبية المهاجرين من العائلات والأفراد المنتمين إلى الطبقات الوسطى والعليا. وتتمثل أبرز هذه التأثيرات في تداعيات سلبية على أسواق العمل والنمو الاقتصادي، وكذلك على سوق الإسكان. ويمكن الاستنتاج أن استمرار وتوسّع الحرب على إيران ولبنان قد يسهم في تعميق هذه الظواهر.
(عرب 48)