قراءة تحت سطح الحرب

2026-03-25 / 16:12

Post image

مرزوق الحلبي:

في الخطاب الذي ولّدته الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، تبرز مسألتان هامتان ينبغي رؤيتهما في مقاربتنا لهذه الحرب. الأولى، مساعي إيران لامتلاك القدرات النووية، والثانية هي القوى غير الدولانية التي تشارك في هذه الحرب وتشدّ بأذيالها كي تمتدّ وتتوسّع.

في السنة الأولى لدراسة العلوم السياسية، توقفنا لفصل كامل عند الحسابات الاستراتيجية للدول. وقد اعتمدنا في مقاربة هذه المسألة كتابات تنظيرية لرئيس قلم الاستخبارات الإسرائيلي الأول، يهوشفاط هركابي. يومها أدركنا أهمية التوازن في قوة الردع لمنع حرب واسعة أو لمنعها بالمطلق. علمنا أن امتلاك دولتين للقدرات العسكرية ذاتها يحدّ من احتمالات نشوب حرب بينهما، أما تمتّع طرف إزاء خصمه "بتفوّق استراتيجي"، كامتلاك سلاح نووي بينما الخصم لا يملكه، فإن من شأن هذا التفوق أن يُغري بشنّ حرب أو عمل عدائي ضد الخصم الأضعف. ثم وصلنا إلى ما يُسمى القدرة على ضربة أولى وثانية وثالثة، فأدركنا أن الأمر أكثر تعقيدًا لدى الحديث عن تفوق. فالتفوق ينبغي أن يشمل، فيما يشمل، القدرة على توجيه ضربة ثانية وثالثة ورابعة إذا قرر الخصم أن يردّ على ضربات مُشعل الحرب. وهو ما تفعله إيران الآن. صحيح أن أميركا وإسرائيل مجتمعتين تتمتعان بتفوق تكنولوجي في مجال السيطرة على الأجواء وانكشاف إيران للضربات، بيد أن إيران أبدت قدرات ردّ فاقت كل قراءة استخباراتية في مجال احتواء الضربات والقوة الصاروخية التي كشفت العمق الإسرائيلي، وكل القواعد والقوات الأميركية في المشرق، لخطر التدمير أو إلحاق الأذى الكبير! وهو ما يضطر الأميركيين والإسرائيليين إلى تعديل الحسابات و"الخطاب" والأهداف المعلنة والخفية لهذه الحرب.

وما دمنا مع هركابي، فلنواصل معه. في كتاب له نشره في الثمانينات بعنوان "قرارات مصيرية"، أوصى إسرائيل النووية أن تذهب إلى تسوية مع محيطها العربي اعتمادًا على قراءته بأن العرب، كجغرافيا ومجتمع، سيستطيعون احتواء ضربة نووية لمئة مدينة أساسية، بينما لن تستطيع إسرائيل احتمال صاروخ كيماوي واحد! ومن هنا دأبه، منذ صدور الكتاب، على دعم خيار التسوية مع المحيط العربي والتنازل عن خيار القوة. ويُشار إلى أن هركابي شغل في سنواته الأخيرة مهمات استشارية لدى رئيس الحكومة يتسحاق رابين، الذي تم اغتياله لذهابه في خيار التسوية، ولو المحدودة.

وفق تحليلات استراتيجية لدى هركابي وسواه من المنظرين، يمكننا القول إنه لو كانت إيران تمتلك السلاح النووي لما بدأت هذه الحرب، وذلك وفق فرضية ميزان الرعب. ونشير في هذا الصدد إلى ما كانت بعض الأدبيات قد ذكرته في سياق استعمال أميركا للسلاح النووي ضد اليابان. فقد نُقل عن أحد مهندسي القنبلة النووية الأميركية، أوبنهايمر، قوله إنه كان في هذا السلاح "النظيف"، وفي هذه التكنولوجيا الساحقة، ما يُغري باستخدامه، فاستخدمناه. ونُقل عن آخرين جزمهم أنه لو امتلكت اليابان يومها سلاحًا نوويًا، لما كانت أميركا ستقصف ناكازاكي وهيروشيما!

أما المسألة الثانية المتصلة بالقوى التي تغذّي الحرب، فيجدر بنا الإشارة إلى هذا المجمع الهائل من الصناعات المستفيد من الحرب ونتائجها. وهي ليست صناعات السلاح على منظوماته في البر والبحر والجو والتكنولوجيا العالية، بل هي أيضًا صناعات الفضاء والتجسّس والأقمار الصناعية والاتصالات والإنشاءات وخطوط التموين والتوريد واللوجستيات والنقل وصناعات الأغذية والذكاء الاصطناعي، وما إلى ذلك من احتياجات الحرب والجيوش. لهذه السلع والخدمات والتكنولوجيا شركات كبيرة متشابكة في ملكيتها وأنشطتها، ولها لوبيات في كل مراكز صنع القرار. سنراها معنية مباشرة بهذه الحرب باعتبارها حقل تجارب للحروب المقبلة وميادين لاختبار منظومات السلاح وما يعمل منها بنجاعة أكبر أو أقل. بمعنى، هناك من يربح من الحروب. وقد تضرب الحروب مرافق اقتصادية جارية، لكنها ربح صافٍ لصناعات كثيرة!

إضافة إلى هذه المجمعات التي عادة ما يكون "رجالاتها" في البرلمانات ومواقع صنع القرار وفي الأجهزة الإدارية للدول والحكومات، هناك منظمات و"أخويات" إيمانية منتشرة هنا وهناك تشدّ بأذيال الحرب كي تتوسع لتثبت نظرياتها المسيانية الخلاصية التي تنشد نهاية العالم أو مجيء المخلّصين على أنواعهم. وسنجد علاقات وثيقة بين مجمعات الصناعات الحربية وبين هذه الأخويات. أو يمكننا أن نقول، من زاوية نظر ماركسية، إن صناعات الحرب في كل مكان تحتاج إلى أخويات كهذه كي تروّج للحروب وللتكنولوجيا ولفكرة حسم الحروب بسرعة أو بضربة، كما هو حاصل الآن. ولا طائل هنا من الخوض في أيها أتى قبل الأخرى، هذه الأخويات أم المجمعات الصناعية، خاصة أنها تغذي الأفكار ذاتها. وهي لا تتوقف عند "حتمية التكنولوجيا"، أي التكنولوجيا كقدر محتوم، فحسب، بل نراها تروّج لهرمية في ترتيب الشعوب والمجتمعات والدول والحضارات، وتؤسس لعنصرية معولمة، كما هو حاصل في الفكر وفي الممارسة - الحرب بأبشع صورها وتجلّياتها.

 

(عرب 48)