ترامب وهتلر
2026-03-18 / 17:21
علي أنوزلا
علي انوزلا:
قد يبدو العنوان مثيراً، وربما مستفزاً لبعضهم، لكنه ليس جديداً، فالمقارنة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والدكتاتور النازي أدولف هتلر ليست وليدة اليوم، ومن انتبه إلى التقارب الكبير بين الشخصيتين لم ينتظر حتى اندلاع الحرب الجارية في الشرق الأوسط، التي أعلنها ترامب لفرض هيمنته على منابع البترول في العالم. فبعد سيطرته على نفط فنزويلا، يسعى للسيطرة على نفط إيران، ولا أحد يعرف البلد التالي، لأن لا أحد يعلم كيف يفكّر الرجل المريض بتضخّم الأنا والمهووس باستعمال القوة لفرض آرائه وقراراته.
أحدث من تناول هذا التقارب بين الفوهرر وترامب، الكاتب الفرنسي آلان باور، في كتابه الصادر حديثاً "ترامب... سلطة الكلمات"، يحلل فيه أسلوب خطابات ترامب، ويعقد مقاربات بينه وبين أسلوب خطابات هتلر، ويشير إلى أن خطاباتهما تعتمد على لغة بسيطة، مباشرة، وأحيانًا هجومية، لكنها محسوبة بعناية لتناسب جماهير محدّدة، ما يُحدِث نوعاً من ازدواحية الشخصية، حسب رأيه، طبعت شخصية هتلر وتطبع اليوم شخصية ترامب.
قبل باور وكتابه، ظهرت مقارنات بين أسلوب الرجلين منذ حملة ترامب الأولى التي قادته إلى البيت الأبيض عام 2016، حينما بدأت وسائل إعلام عالمية كبيرة تقارن بين ساكن البيت الأبيض آنذاك وزعيم الرايخ الثالث، مثل مجلة شتيرن الألمانية، التي أصدرت غلافها عام 2017 بصورة ترامب يلتحف العلم الأميركي ويرفع التحية النازية، وعنونت الغلاف بـ"كفاحه"، في إشارة إلى عنوان كتاب هتلر "كفاحي". كذلك نشرت مجلة تايم الأميركية على غلافها صورة رجل يلتحف العلم الأميركي ويرفع يده إلى الأعلى مؤدّياً التحية النازية، وعنونت الغلاف بـ"الكراهية في أميركا"، في إشارة إلى خطاب الكراهية ضد المهاجرين وخصومه، الذي يستمد منه ترامب مفرداته القاسية.
ليست المقارنة وليدة اليوم، بل تعود إلى عشر سنوات خلت، وكان أول من لاحظ التشابه الكبير في "عنف اللغة" بين خطابات ترامب وهتلر الباحث والمترجم الفرنسي أوليفيي مانوني، الذي يُعرف في فرنسا بترجمته كتاب هتلر، حينما نبّه إلى التشابه الكبير بين خطاب الاثنين، اللذين تجمع بينهما "الخشونة اللفظية وكثرة الشتائم والتبسيط المفرط". ويرى هذا الباحث، انطلاقاً من خبرته في دراسة الخطاب النازي، أن خطاباتهما تعتمد على لغة مباشرة وصادمة، تقوم على الإهانة والتجريح بدل الحجاج العقلاني، مع توظيف عبارات مبسطة ومشحونة عاطفيّاً تهدف إلى تعبئة الجمهور. ويشير أيضاً إلى لجوئهما إلى التلاعب بالمعاني وتكرار الرسائل، ما يسهم في ترسيخ روايات سياسية معينة، حتى وإن كانت متناقضة أو غير دقيقة، لأن هذا الأسلوب يضعف النقاش الديمقراطي، ويحدّ من قدرة الجمهور على التمييز بين الوقائع والخطاب الدعائي.
وسبق للمؤرخ الألماني أندرياس فيرشينج، مدير معهد التاريخ المعاصر في ميونخ، أن عقد مقارنة بين صعود النازيين في ألمانيا عام 1930 ووصول ترامب إلى البيت الأبيض عام 2016، مشبهاً أميركا بجمهورية فايمار، الحقبة التاريخية التي شهدت أول ديمقراطية برلمانية في ألمانيا بين 1918 و1933، وانتهت بتعيين هتلر مستشاراً لألمانيا. وأوضح المؤرخ أن أوجه الشبه تتجسّد في تأكل النظام الحزبي، ومحاولة إحداث حالة من انعدام الأمن القانوني وفراغ السلطة عبر إصدار قرارات غير قانونية، وعدم تصدّي السلطة القضائية لها، وهو ما شجّع هتلر على فرض دكتاتوريته، وما يجعل اليوم الجميع يخاف من ترامب وقراراته.
ومع تولي ترامب ولاية ثانية عام 2022، حذّر كتّاب وصحافيون عديدون من التحولات التي طرأت على خطابه السياسي، معتبرين أنها أصبحت "أكثر عنفاً وانفصالاً عن الواقع". ويعتبر هؤلاء أن هذا التحوّل بدأ بشكل ملحوظ بعد أحداث الهجوم على مقر الكونغرس (الكابيتول) في واشنطن 2021، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على أسلوب بلاغي، بل تحوّل إلى خطاب تعبوي للوصول إلى السلطة عبر الضغط الشعبي وإحداث الفوضى.
وبالفعل، خلال ولايته الثانية، ستظهر بجلاء في خطابات ترامب وتغريداته انزياحات لغوية تجعل المقارنة بينه وبين هتلر أداة تحليلية مشروعة لفهم "الترامبية"، حيث أصبح التشابه بينهما في الخطاب والأساليب السياسية يبدو جلياً، مثل تبنّي القومية المتطرّفة، وتأجيج الخوف من الأجانب، وتقديم الذات ضحية مؤامرة، واستخدام لغة تحريضية، كوصف الخصوم بـ"الطفيليات التي يجب تدميرها"، وهي التعابير نفسها التي استعملها هتلر في خطاباته لوصف خصومه، أو اتهام المهاجرين بـ"تلويث دم" الأميركيين، لغة استُلهِمت من قاموس النازيين الذين استعملوها لتبرير التطهير العرقي. وبحسب تحليل نشرته مجلة ذي أتلانتيك الأميركية، يعكس استخدام ترامب مصطلحات مثل "الطفيليات" و"أعداء الداخل" و"تلويث الدم" نمطاً لغويّاً له جذور تاريخية، حيث استُخدمت مثل هذه التعبيرات في خطاب أنظمة هتلر وستالين وموسوليني، لوصم خصومهم وتجريدهم من إنسانيتهم.
وعلى مستوى الواقع، تتزايد في الأوساط الفكرية والإعلامية المقارنات بين سياسات الرئيس الأميركي وبعض ممارسات الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي، وليس غريباً أن كليهما، هتلر وترامب، وصل إلى السلطة عبر آليات قانونية، ثم حاول تقويض النظام الديمقراطي من الداخل. وثمّة من الباحثين من يقارن بين أحداث "الكابيتول" عام 2021 ومحاولة الانقلاب الفاشلة لهتلر عام 1923، التي عرفت بـ"انقلاب بير هول"، حيث استفاد كلاهما من تمرّده على الديمقراطية للتعبئة السياسية والوصول إلى السلطة. وبعد توليهما الحكم، عمل كلاهما على إضعاف الدولة عبر تهميش المؤسّسات، وإخضاع القضاء، وتقييد الإعلام، والضغط على الموظفين، واستمالة رجال الأعمال، والرقابة على الثقافة.
وتكبر المقارنة بين الرجلين، بعد تصاعد النهج الأحادي واستخدام القوة في السياسة الدولية لدى ترامب، وقراراته المثيرة للجدل، التي قادته إلى الهجوم على فنزويلا واعتقال رئيسها، وشن الحرب على إيران، واغتيال مرشدها. وفي الحالتين، لم يراعَ القانون الدولي ولا الاتفاقيات الدولية. وقبل ذلك، جاءت تهديداته بالسيطرة بالقوة على جزيرة غرينلاند وتلويحه بجعل كندا ولاية أميركية، لتعكس أسلوبه وسياساته القائمة على اختبار ردود فعل الخصوم والتقدّم التدريجي في حال غياب ردع دولي، وهو ما يجعلنا نستحضر سوابق تاريخية مرتبطة بتوسّع قوى كبرى قبل الحرب العالمية الثانية. وغالباً ما برّرت أفعالها بمفاهيم مثل "الأمن القومي" أو "المصالح الاستراتيجية"، لإضفاء الشرعية على قراراتها غير القانونية، تماماً كما يفعل ترامب اليوم.
ما يجعل هذا النقاش اليوم حيويّاً وضرورياً، المخاوف بشأن مستقبل نظام دولي ضعيف ومنهار، مقابل تنامي استخدام القوة في العلاقات بين الدول، في ظل بيئة جيوسياسية متقلبة تتسم بارتفاع منسوب الحروب في الشرق والغرب، ما قد يعيد تجارب أوروبا في ثلاثينيات القرن الماضي، بكل مآسيها التي عانى منها العالم. وما يزيد المخاوف التحالف الإمبريالي بين أميركا وإسرائيل، اللتين باتت تقودهما قيادات متطرّفة تستمد شرعية قراراتها من الكتب التوراتية، وكذا التقارب الكبير بين إدارة ترامب واليمين المتطرّف في أوروبا والعالم، لتأسيس تحالف دولي بين الفاشية واليمين المتطرّف امتداداً لتأثيرات النازية والفاشية في القرن الحادي والعشرين، وهو ما يمثل اليوم تهديداً خطيراً للديمقراطية وحقوق الإنسان، ويشكل خطراً وجوديّاً على المجتمعات والدول والشعوب في جميع أنحاء العالم.
(العربي الجديد)