"إسرائيل" تفقد أحد أكبر داعميها في هوليود

2026-03-22 / 19:49

Post image

نافذة - أثار المخرج وكاتب السيناريو الأمريكي بول شرادر تفاعلا واسعا بعد نشره تدوينة على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أعلن فيها تحولا واضحا في موقفه من إسرائيل، مؤكدا أنه لم يعد قادرا على الدفاع عن سياساتها الحالية.

وكتب شرادر "طوال حياتي، بصفتي شخصا راشدا، كنت مؤيدا لإسرائيل، ربما بسبب نشأتي في الدراسات التوراتية، وربما لرغبتي في رؤية تصحيح أخطاء معاداة السامية… لم أتخيل أنني سأفكر بشكل مختلف. لكنني الآن أجد أفعال إسرائيل غير قابلة للدفاع عنها". وأضاف: "العسكرة الثيوقراطية خطأ، مهما كان العلم الذي ترفعه".

ويمثل هذا التصريح تحولا لافتا في موقف استمر عقودا، إذ أقر شرادر بأنه كان مؤيدا لإسرائيل طوال حياته، مستندا إلى خلفيته الدينية وتعاطفه مع من يواجهون إرث معاداة السامية، قبل أن يعلن تغير موقفه من إسرائيل في ضوء التطورات الأخيرة.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة شرادر داخل السينما الأمريكية، إذ يعد أحد أبرز الأصوات الفكرية في هوليود، وغالبا ما ترتبط أعماله بأسئلة أخلاقية وفلسفية عميقة.

من الدعم إلى المراجعة

وتشير مواقف شرادر السابقة إلى أنه لم يكن مجرد متعاطف عابر، بل صاحب رؤية مستقرة تميل إلى دعم إسرائيل ضمن إطار فكري وثقافي أوسع، وفي أحد منشوراته السابقة، أشار إلى أن "دعم إسرائيل لا يعني دعم سياسات أي حكومة إسرائيلية بعينها"، في تمييز واضح بين الدولة وممارساتها السياسية، مع إقراره بوجود انقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي.

كما استعاد في منشور آخر جذور موقفه، متحدثا عن نشأته في بيئة دينية وتأثره المبكر بالدراسات التوراتية، وهو ما ساهم في تشكيل نظرته الإيجابية تجاه إسرائيل التي يعتبرها امتدادا لهذه الخلفية.

وتؤكد التدوينات السابقة أن تصريحه الأخير لا يتعلق بتغيير ظرفي، بل هو انتقال من موقف تأسس على قناعة فكرية وثقافية طويلة الأمد إلى مراجعة صريحة، وهو ما يجعل تصريحه أقرب إلى قطيعة مع مسار سابق.

لم يمر منشور شرادر دون ردود فعل، إذ شهدت التعليقات على صفحته تفاعلا كثيفا اتسم بانقسام واضح. فقد عبّر عدد من المتابعين عن دعمهم لموقفه، معتبرين أن تصريحه يعكس "شجاعة أخلاقية" في ظل ما وصفوه بـ"ضغوط داخل هوليود تحد من حرية التعبير"، بينما وجّه إليه آخرون انتقادات حادة، وصلت في بعض الحالات إلى اتهامه بالانحياز أو سوء تقدير طبيعة الصراع.

ويعكس هذا التفاعل حالة استقطاب حاد، إذ لم يقتصر الجدل على مضمون التصريح، بل امتد إلى شرعية إعلان هذا التحول نفسه، بين من رآه مراجعة ضرورية، ومن اعتبره تراجعا غير مبرر.

كما يكشف هذا الانقسام عن طبيعة النقاش الأوسع، إذ لم تعد المواقف تُستقبل باعتبارها آراء فردية، بل جزءا من جدل ثقافي وسياسي ممتد.

يُعد شرادر من أبرز الأسماء في السينما الأمريكية، إذ كتب سيناريو فيلم "سائق التاكسي" (Taxi Driver) عام 1976 للمخرج مارتن سكورسيزي، كما أخرج أعمالا بارزة مثل "التعديل الأول" (First Reformed) عام 2017 و"العشيق الأمريكي" (American Gigolo) عام 1980.

وتتميّز أعماله بطابع فلسفي عميق، إذ تتناول الإيمان والذنب والانهيار الأخلاقي، وهو ما يجعل مواقفه العلنية امتدادا طبيعيا لهذه الاهتمامات.

وقد رشح شرادر لجائزة الأوسكار مرة واحدة عام 2019 عن سيناريو فيلم "التعديل الأول"، وهو ترشيح اعتبره كثيرون متأخرا مقارنة بمكانته الطويلة في السينما الأمريكية.

لا يأتي هذا التحول من فراغ، بل في سياق الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، والتي خلّفت دمارا واسعا وخسائر بشرية كبيرة، وترافقت مع صور مباشرة من الميدان أعادت تشكيل النقاش العالمي حول الحرب وأثرها الإنساني.

كما تزامن ذلك مع تصعيد عسكري أوسع شمل شن كل من الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، مما وسّع دائرة النقاش داخل الأوساط الثقافية، ودفع إلى إعادة طرح أسئلة حول حدود القوة ودور الخطاب الثقافي في زمن الصراعات.

وشهدت هوليود في الأعوام الأخيرة تصاعدا ملحوظا في مواقف نجومها وفنانيها، وإن بقيت في إطار مختلف عن التحول الذي أعلنه شرادر. فقد وقع عدد من الممثلين، بينهم خواكين فينكس وكيت بلانشيت، على رسائل مفتوحة تدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، فيما عبّر مارك رافالو عن مواقف متكررة تدعو إلى إنهاء الحرب.

كما أثارت تصريحات سوزان ساراندون جدلا واسعا بعد انتقاداتها لإسرائيل، في خطوة أدت إلى محاصرتها وعدم المناداة عليها للتمثيل، وهو ما اعتبر مؤشرا على سيطرة اللوبي الصهيوني على مفاصل الصناعة السينمائية في الولايات المتحدة.

ومع اتساع نطاق التوترات ليشمل إيران، عبّر عدد من الفنانين والإعلاميين عن قلقهم من التصعيد، وإن ظل هذا التعبير أقل تنظيما من المبادرات التي ظهرت في سياق غزة، مما يعكس انتقال النقاش إلى مستوى سياسي أوسع.

 

ورغم هذا التصاعد، تبقى التحولات الصريحة نادرة، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة القيود التي تحكم التعبير داخل هوليود.

فصناعة السينما تقوم على منظومة معقدة من الإنتاج والتمويل والتوزيع، وهو ما يجعل صاحب أي موقف سياسي واضح عرضة لتبعات مهنية مباشرة، كما أن لوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دورا في تضخيم التصريحات وتحويلها إلى أزمات قد تؤثر على مستقبل أصحابها.

وتظهر حالات مثل سوزان ساراندون أن التعبير عن مواقف حادة قد يترتب عليه ثمن مهني، بينما تشير تقارير إعلامية إلى وجود ضغوط غير مباشرة تؤثر على قرارات الإنتاج والتوزيع، وهو ما يدفع كثيرا من النجوم إلى تبني خطاب عام أو بيانات جماعية بدلا من إعلان مراجعات شخصية واضحة.

يبدو موقف بول شرادر، في السياق الحالي لهوليود، مختلفا ليس فقط بسبب مضمونه، بل لأنه يتضمن اعترافا صريحا بتغيير موقف سابق، وهو ما يتجنبه كثيرون داخل الصناعة السينمائية.

 

 الجزيرة