حرب كسر الإرادات… حين يفشل الحسم وتبدأ التحوّلات الكبرى

2026-03-22 / 20:29

Post image

بقلم :- فادي البرغوثي

منذ اندلاع هذه الحرب، كان الصمت موقفًا، لا فراغًا. فالحروب الكبرى لا تُقرأ في لحظة اشتعالها، بل في مسارها، وفي قدرتها على كشف موازين القوى الحقيقية، لا تلك المتخيّلة أو المُروَّجة. وفي الحروب من هذا النوع، لا مكان للقراءات السطحية أو التمنيات، لأن النتائج فيها لا تأتي وسطية، بل حادّة وقاطعة فتكون  إما كسرٌ للإرادة، أو تثبيتٌ لها، وبينهما يُعاد تشكيل التاريخ.

لهذا، كان التريّث ضرورة، لأن الضربة الأولى لا تقول كل شيء، والضجيج الإعلامي لا يعكس دائمًا حقيقة الميدان. لكن بعد واحدٍ وعشرين يومًا من المواجهة، لم يعد ممكنًا تجاهل الاتجاه العام الذي بدأت تتخذه المعركة. فهذه الحرب، التي أُريد لها أن تكون حرب حسم خاطف، تتحول تدريجيًا إلى حرب استنزاف، وهذا بحد ذاته انقلاب في طبيعتها، ودليل على فشل فرضية الحسم التي قامت عليها.

ما يجري ليس مجرد تبادل للضربات، بل اختبار عميق لبنية الصمود لدى كل طرف. وهنا، تبرز إيران بوصفها طرفًا لم يدخل المعركة مرتجلًا، بل محمّلًا بتراكم استراتيجي طويل. إن تصاعد الأداء الصاروخي، يومًا بعد يوم، لا يمكن قراءته كحدث تقني فحسب، بل كدليل على أن هذه الدولة بنت لنفسها قدرة على الاستمرار، وعلى مفاجأة خصومها في كل مرحلة.

كل يوم يكشف عن مستوى جديد من التطور، وكل جولة تضيف عنصرًا غير محسوب في حسابات الخصم. وهذا يعني أن المعركة خرجت من إطار السيطرة الكاملة التي أرادها الطرف المقابل، ودخلت في فضاء مفتوح، حيث تتآكل القدرة على التنبؤ، ويتراجع اليقين لصالح القلق. وفي الحروب، حين يفقد أحد الأطراف القدرة على الحسم السريع، فإنه يبدأ، فعليًا، في الدخول في مسار الخسارة الاستراتيجية، حتى لو لم يُهزم ميدانيًا بشكل مباشر.

من هنا، فإن الحديث عن “نصر إيراني” لا يجب أن يُفهم بمعناه الكلاسيكي، بل بمعناه الأعمق وهو منع العدو من تحقيق أهدافه، وكسر إرادته في فرض شروطه. وهذا ما يبدو أنه يتحقق تدريجيًا. فالمعركة التي كان يُراد لها أن تُنهي معادلة، باتت تُكرّس معادلة جديدة، عنوانها: لا حسم بالقوة، ولا قدرة على إخضاع الخصم دون كلفة غير محتملة.

اما على مستوى الكيان الإسرائيلي، فإن الأزمة تتجاوز حدود الميدان، لتصل إلى جوهر المشروع السياسي نفسه. فاليمين الذي جاء بوعد الحسم، يجد نفسه أمام واقع الفشل في تحقيق هذا الحسم. وهذا ليس مجرد إخفاق عسكري، بل سقوط لفرضية كاملة بُني عليها هذا التيار: فرضية التفوق المطلق، والقدرة على كسر الإرادات دون ثمن.

وعندما تسقط هذه الفرضية، لا يبقى النظام السياسي على حاله. بل يبدأ التآكل من الداخل، وتتصاعد التناقضات، وتُفتح أبواب الصراع الداخلي على مصراعيها. لأن المجتمع الذي أُقنع بأنه يمتلك القدرة على الحسم، سيصطدم بحقيقة أنه عاجز عن ذلك، وهذه لحظة خطيرة في تاريخ أي كيان.

إقليميًا، لا تقلّ التداعيات عمقًا. فمشروع “الناتو الشرق أوسطي”، الذي كان يُراد له أن يتشكّل بقيادة إسرائيل، يتلقى ضربة قاسية. هذا المشروع لم يكن مجرد تحالف عسكري، بل كان محاولة لإعادة ترتيب المنطقة، على قاعدة تجاوز القضية الفلسطينية، ودمج إسرائيل كقوة مركزية. لكن ما يجري الآن يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، بل ربما إلى ما قبلها.

اسرائيل، التي كان يُراد لها أن تكون مركز هذا التحالف، تجد نفسها في موقع الدفاع، بل في موقع الحاجة. وهذا وحده كفيل بإسقاط الصورة التي بُني عليها هذا المشروع. فلا تحالف يُبنى على طرفٍ لا يستطيع حماية نفسه، ولا قيادة تُمنح لمن يفشل في فرض معادلاته.

أما دول الخليج، فإنها أمام لحظة مراجعة لا يمكن تأجيلها. فالمعادلة التي حكمت العلاقة مع الولايات المتحدة، والقائمة على الحماية مقابل التبعية، تتعرض لاختبار قاسٍ. وإذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن فرض الحسم، أو تحتاج إلى أثمان باهظة لتحقيقه، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا هل ما زالت قادرة على لعب دور الضامن؟ هذا السؤال لن يُطرح في العلن سريعًا، لكنه بدأ يتشكّل في العمق، ومع تراكم الأحداث، سيتحول إلى عامل ضغط حقيقي، قد يدفع نحو إعادة صياغة العلاقات والتحالفات، وربما نحو البحث عن بدائل، أو على الأقل عن توازنات جديدة.

وفي الداخل الأمريكي، تتكشف الأزمة بشكل أكثر تعقيدًا. فهذه الحرب لا تأتي في فراغ، بل في سياق تراجع اقتصادي، واستقطاب سياسي حاد، وتآكل في الثقة بالمؤسسات. ومع ارتفاع كلفة الحرب، وتزايد الإحساس بأن هذه المعارك لا تخدم المواطن الأمريكي، ستتعزز التيارات المعارضة لهذا النهج.
وقد نشهد، في المدى المنظور، تصاعدًا في الخطاب النقدي تجاه إسرائيل، ليس فقط من الهامش، بل من داخل التيار السياسي الرئيسي. لأن العلاقة التي كانت تُقدَّم كجزء من الأمن القومي الأمريكي، قد يُعاد تعريفها كعبء استراتيجي، خاصة إذا استمرت في استنزاف الموارد دون تحقيق نتائج واضحة.

اقتصاديًا، لا يمكن فصل هذه الحرب عن تداعياتها العميقة. فالتضخم، والركود المحتمل، وارتفاع الإنفاق العسكري، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الأمريكي، وتُعيد طرح السؤال حول جدوى هذا الانخراط. وفي لحظة ما، قد يصبح القرار ليس كيف ننتصر، بل كيف نخرج بأقل الخسائر.في المحصلة، نحن لا نعيش مجرد حرب، بل لحظة تحوّل تاريخي. هذه الحرب تختصر الزمن، وتسرّع مسارات كانت تحتاج إلى سنوات طويلة. إنها تدفع العالم، دفعًا، نحو إعادة تشكيل نفسه، نحو تعددية قطبية لم تعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها الوقائع. ...وهكذا، فإن ما يجري اليوم ليس نهاية معركة، بل بداية مرحلة. مرحلة يُعاد فيها تعريف القوة، وتُكسر فيها أوهام، وتُرسم فيها حدود جديدة للسياسة والتاريخ. وفي قلب هذه اللحظة، يتحدد ليس فقط من ينتصر، بل كيف سيُكتب شكل العالم القادم.