نادر صدقة.. أسير سامري يفضح ازدواجية الرواية الإسرائيلية
2025-10-19 / 21:41
د. إسماعيل المسلماني
قصة الأسير المحرَّر نادر صدقة ليست مجرد خبر عابر في سجلّ صفقات الأسرى، بل مرآة تعكس تعقيدات الهوية والانتماء في فلسطين التاريخية. فالرجل الذي أمضى أكثر من عشرين عامًا في السجون الإسرائيلية، ينتمي إلى الطائفة السامرية، وهي من أقدم الجماعات الدينية التي تُعَدّ امتدادًا لبني إسرائيل القدماء. يعيش السامريون اليوم بين جبل جرزيم في نابلس ومدينة حولون داخل إسرائيل، ويتحدثون العربية والعبرية، ويعتبرون أنفسهم جزءًا من النسيج الفلسطيني رغم خصوصيتهم الدينية.
لكن ما جعل الإفراج عن نادر صدقة يُحدث ضجة واسعة هو قرار إبعاده إلى مصر بدل عودته إلى مسقط رأسه في نابلس، وهو ما فُسِّر بأنه عقاب مزدوج يحمل أبعادًا سياسية ورسائل رمزية. فإسرائيل التي طالما قدّمت نفسها كحامية "بني إسرائيل"، تعاملت مع نادر صدقة بوصفه فلسطينيًا مقاومًا لا سامريًا من نسل "إخوتهم" القدماء. وهنا برز التناقض الصارخ بين الشعارات الدينية والسياسات الميدانية، إذ سقطت الأقنعة أمام واقع لا يعترف إلا بالانتماء السياسي.
هذا الحدث أعاد إلى الواجهة سؤال الهوية لدى الأقليات في فلسطين، وأثار نقاشًا حول مفهوم المواطنة والانتماء. فاختيار نادر صدقة الاصطفاف إلى جانب قضيته الوطنية، حتى وهو ابن طائفة تُعامل عادة بحياد، أعاد تعريف “الانتماء” بوصفه موقفًا أخلاقيًا لا بطاقة هوية. الإعلام الإسرائيلي تعامل مع القصة بارتباك واضح، فيما أبرزت وسائل الإعلام العربية والحقوقية البعد الإنساني والسياسي للقضية، معتبرة أن إسرائيل عاقبته لأنه كسَر الصورة النمطية التي تحاول رسمها عن الأقليات في فلسطين.
في المحصلة، تحوّل نادر صدقة إلى رمز جديد للانتماء الحرّ، وإلى شاهد حيّ على أن الهوية لا تُحدَّد بالدم أو النسب، بل بالقرار والموقف. فحين اختار أن يكون فلسطينيًا أولًا، وضع إسرائيل أمام مرآتها، وكشف أن خطابها الديني المزعوم لا يصمد أمام حقيقة إسرائيل.
في زمنٍ تتداخل فيه الهويات وتُستَخدم الأديان كذرائع للهيمنة، يبرز نادر صدقة مثالًا نادرًا على الصدق في الانتماء والكرامة الإنسانية. خرج من السجن لا ليبحث عن وطن بديل، بل ليؤكد أن الوطن هو الفكرة التي تسكن القلب لا الأرض التي تُفرض بالقوة. حين أُبعد إلى مصر، حمل معه ذاكرة نابلس وجبل جرزيم، وصوتًا هادئًا يقول: “ليس كل من وُلد على هذه الأرض يقف معها، وليس كل من أُبعِد عنها يبتعد عنها فعلًا.”
قضيته تذكيرٌ بأن الاحتلال لا يستطيع أن يقيّد الروح، وأن الإنسان، حين يختار موقفه عن وعي، يصبح أكبر من السجن وأقوى من الجغرافيا.