مبادرة المصري حول وعد بلفور.. حين يُستعاد التاريخ كفعل مقاومة
2025-11-02 / 10:37
طاهر تيسير المصري:
كتبتُ هذا المقال بدافع يتجاوز الاهتمام الفكري أو التاريخي بوعد بلفور، فهو بالنسبة لي أيضا فعلُ وفاءٍ ومسؤولية. فقد عملت مع السيد منيب رشيد المصري، ومعرفة ما يحمله من إيمان عميق بعدالة القضية الفلسطينية، وما يبذله من جهد صادق في سبيلها. ومن هذا القرب، أدركت أن ما يقوم به في ملاحقة بريطانيا قانونيا ليس مجرد مبادرة رمزية، بل امتداد لمسيرة رجل آمن بأن الكرامة الوطنية لا تسقط بالتقادم، وأن الوفاء لفلسطين يكون بالفعل، لا بالشعار. لذلك، يأتي هذا المقال محاولةً لردّ جزءٍ من ذلك الوفاء، ولتسليط الضوء على تجربة تستحق أن تُروى، لأنها تختصر في معناها ما يجب أن يكون عليه الالتزام الوطني: ذاكرة لا تنسى، وإرادة لا تنكسر.
منذ أكثر من قرن من الزمان، كتبت بريطانيا وعدها المشؤوم، ومنحت ما لا تملك لمن لا يستحق. وعد بلفور، الصادر في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، لم يكن سطرا عابرا في مراسلات دبلوماسية، بل لحظة تأسيس لنظامٍ استعماري جديد أعاد رسم خرائط المشرق، وزرع في قلبه جرحا ما زال ينزف حتى اليوم.
ذلك الوعد، الذي منح "وطناً قومياً لليهود في فلسطين"، لم يكن سوى الصيغة الرسمية الأولى لتجريد الفلسطيني من حقه في الأرض والوجود، ولتدشين قرن كامل من المعاناة والاقتلاع.
في تلك الفترة التاريخية، كانت الإمبراطورية العثمانية تتهاوى تحت وطأة الحرب العالمية الأولى، فيما كانت بريطانيا وفرنسا تقتسمان إرث المشرق العربي كغنيمة حرب. بين مراسلات حسين–ماكماهون التي وعدت العرب بالاستقلال، واتفاق سايكس–بيكو الذي قسّم الأرض بين إمبراطوريات الاستعمار، خرج وعد بلفور ليُكمل المثلث الاستعماري، وليضع فلسطين على طريق التحول من وطن عربي إلى مشروع استيطاني محمي بالقوة والقانون.
كان الوعد بداية لا لحدثٍ سياسيٍ عابر، بل لتحوّل جذري في مفهوم السيطرة ذاتها: من الاحتلال العسكري المباشر إلى إدارة استعمارية تتخفّى وراء شعارات القانون والإنسانية. ومنذ تلك اللحظة، صار الفلسطيني يعيش تبعات ذلك النص القصير في كل تفاصيل حياته اليومية: في اللجوء، في المنفى، في الاحتلال، وفي نظامٍ كاملٍ من التمييز المُمأسس الذي لا يزال يُعيد إنتاج الظلم ذاته منذ أكثر من مئة عام.
حين قرأ الطفل منيب رشيد المصري في مدرسته نصّ وعد بلفور للمرة الأولى، أدرك أن تلك الورقة الصغيرة هي مفتاح المأساة. لم يكن الأمر درسا في التاريخ فحسب، بل اكتشافا مبكرا لمدى القسوة التي يمكن أن تُمارسها السياسة باسم "التحضّر".
واليوم، بعد أن صار أحد أبرز رجال فلسطين الوطنيين، يحاول المصري أن يعيد تعريف العلاقة بين التاريخ والعدالة، بين الذكرى والفعل، عبر ملاحقة بريطانيا نفسها في ساحات القضاء.
في أواخر عام 2020، رفع المصري دعوى قضائية أمام محكمة نابلس ضد الحكومة البريطانية، مطالبا بمساءلتها عن الوعد وما ترتّب عليه من مآس. وبعد أشهر، أصدرت المحكمة الفلسطينية قرارا اعتبرت فيه وعد بلفور باطلاً قانونيا، محملة بريطانيا المسؤولية الكاملة عما تبعه من تهجيرٍ واحتلالٍ واستعمار استيطاني.
لكن المصري لم يتوقف عند حدود الرمز المحلي، بل انتقل بخطوته التالية إلى الساحة البريطانية والدولية، متعاقدًا مع مكتب محاماة متخصص، ليبدأ مسارا قانونيا طويلا نحو إعادة الحق إلى أصحابه.
في سبتمبر 2025، قدّم المصري وفريقه عريضة قانونية موسعة من نحو أربعمئة صفحة أمام الجهات القضائية البريطانية، تُطالب الحكومة البريطانية بالاعتراف بأنها ارتكبت انتهاكات متسلسلة للقانون الدولي خلال فترة انتدابها على فلسطين (1917–1948)، وبأنها تتحمل المسؤولية عن مخرجات ذلك الاحتلال من تهجيرٍ واستيطانٍ ونظام فصلٍ عنصري.
هو لا يطلب مالا، ولا يسعى لترضية رمزية. إنه يريد أن يُعيد للتاريخ توازنه، وأن يُخضع الذاكرة للاستجواب القضائي. يريد أن يسمع من بريطانيا، بصوتٍ قانونيٍ واضح، اعترافا بأن الوعد لم يكن "تصريحًا سياسيا"، بل جريمة ذات آثار ممتدة حتى اليوم.
قد تبدو معركة المصري أقرب إلى الحلم منها إلى الواقعية السياسية، فالقانون الدولي ليس مُعداً لمحاسبة الإمبراطوريات على جرائمها الماضية، ولا المحاكم البريطانية معنية بنقض إرثها الاستعماري. ومع ذلك، فإن القيمة الكبرى لهذه الخطوة تكمن في الرمزية: تحويل المأساة إلى مرافعة، والذاكرة إلى وثيقة، والتاريخ إلى فعل مقاومة.
يُدرك منيب المصري أن معركته لا تُقاس بحدود النتيجة القضائية. فحتى لو لم يصدر حكم أو اعتذار، فإن ما فعله يكفي ليعيد إلى الأذهان فكرة أن الشعوب قادرة على مقاضاة التاريخ نفسه، وأن الظلم لا يصبح شرعيا بمرور الزمن.
إنها معركة ضد النسيان، وضد إعادة كتابة التاريخ بأقلام المنتصرين. فمن خلال هذا المسار القانوني، يُعيد المصري السرد الفلسطيني إلى مكانه الطبيعي: لا كملحق في الرواية البريطانية، بل كقلبها الذي لم يتوقف عن النبض رغم كل محاولات الطمس.
الخطوة التي يقودها المصري تُعيد فتح النقاش حول مفهوم "العدالة التاريخية" في عالمٍ يتظاهر بأنه تجاوز الاستعمار بينما يعيش على أنقاضه. وهي تضع بريطانيا أمام سؤالها الأخلاقي المؤجل: كيف يمكن لدولةٍ تدّعي حماية حقوق الإنسان أن تتجاهل وعدا كان بذرة واحدة من أطول احتلالات القرن العشرين؟
ربما لا تملك المحاكم جوابا واضحا، لكن الوعي الجمعي الذي تولده هذه المرافعة قد يكون أهم من أي حكمٍ مكتوب. فالمصري، في جوهر فعله، لا يُقاضي بريطانيا وحدها، بل يُقاضي قرنا من الصمت الدولي الذي تعامل مع النكبة كقدر لا يُسائل.
لم يعد وعد بلفور ورقةً عابرة في أرشيف وزارة الخارجية البريطانية، بل صار وثيقة حية تُستدعى إلى قفص الاتهام. وما يفعله منيب رشيد المصري اليوم هو إصرار على أن الفلسطيني لن يترك التاريخ لمن كتبه ضده، وأن الذاكرة الوطنية ليست ماضياً يُروى، بل حاضرٌ يُدافع عنه ومستقبلٌ يُستعاد.
فبعد أكثر من مئة عام على الوعد، وبعد كل ما جرى، يبقى السؤال مفتوحا كما طرحه الإعلامي والمفكر الكبير محمد حسنين هيكل ذات مرة: "هل يمكن للأمة أن تتحرر قبل أن تُحرر ذاكرتها"؟