العلاقات التجارية بين الهند وإسرائيل جوهرها أمني وعسكري

2026-02-26 / 16:18

Post image

 

امطانس شحادة:

حظيت زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لإسرائيل، يوم الأربعاء 25 شباط/فبراير، باهتمام رسمي وإعلامي واسع. فقد أفردت وسائل الإعلام الإسرائيلية تغطية موسعة للزيارة، مسلطة الضوء على اهتمام نيودلهي بتوقيع اتفاقيات تجارية جديدة، وإبرام صفقات لشراء أسلحة، وتوسيع حجم التبادل التجاري بين البلدين.

ولم يأتِ هذا الاهتمام الرسمي والإعلامي من فراغ، إذ تحوّلت الهند في السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز الشركاء التجاريين لإسرائيل، وإلى واحدة من أكبر الأسواق لصادراتها من الأسلحة والصناعات العسكرية والأمنية.

تُعدّ العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين إسرائيل والهند حديثة نسبيًا. فحتى عام 1992، لم تكن هناك علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين. غير أن التحولات في البيئة الجيوسياسية الدولية آنذاك، خاصة انهيار الاتحاد السوفييتي وانطلاق المفاوضات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، مهّدت الطريق لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين نيودلهي وتل أبيب في العام نفسه.

لم يحُل غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية دون قيام علاقات عسكرية وأمنية، بل وحتى اقتصادية، وإن كانت غير علنية آنذاك. فقبل إقامة العلاقات الرسمية، شهد البلدان تعاونًا سريًا في المجالين العسكري والاستخباراتي.

ففي كانون الثاني/يناير 1963، وبعد ثلاثة أشهر فقط من النزاع الحدودي بين الهند والصين، أبدت الحكومة الهندية استعدادها للتشاور مع خبراء إسرائيليين في الشؤون العسكرية. وفي تلك الفترة، استقبلت نيودلهي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، حيث أجريا مباحثات مع عدد من كبار القادة العسكريين الهنود، بمن فيهم رئيس أركان الجيش الهندي. وتواصلت الزيارات المتبادلة في السنوات اللاحقة، إذ زار الوزير يغئال ألون الهند عام 1965، كما قام الوزير موشيه دايان بزيارة مماثلة عام 1977، في مؤشر على استمرار قنوات التواصل رغم غياب العلاقات الرسمية. كما شهدت تلك المرحلة تعاونًا ملحوظًا بين جهاز الاستخبارات الهندي (RAW) ونظيره الإسرائيلي، الموساد.

 

العلاقات الاقتصادية... جوهرها عسكري

مع إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية، شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين قفزة نوعية، وأصبحت الهند واحدة من أبرز الشركاء التجاريين لإسرائيل في آسيا. فقد ارتفع حجم التبادل التجاري من نحو 200 مليون دولار سنويًا عام 2000 إلى أكثر من 1.15 مليار دولار عام 2010، قبل أن يصل في السنوات الأخيرة إلى نحو 4.5 مليارات دولار سنويًا. وكان قطاع الصناعات الأمنية وصفقات السلاح الأسرع نموًا ضمن هذا التوسع، ليشكّل ركيزة أساسية في الشراكة الاقتصادية بين الجانبين.

(اجمالي التبادل التجاري بين اسرائيل والهند خلال الفترة بين عامي 2010 - 2024 بملايين الدولارات)

 

 

تبلغ الصادرات الإسرائيلية إلى الهند في السنوات الأخيرة نحو 2.2 مليار دولار سنويًا، وتشكل الصادرات الصناعية قرابة 80% منها، ويرجّح أن يشكّل القطاع الأمني-العسكري جزءًا مهمًا من هذه الصادرات. وفي المقابل، تستورد إسرائيل من الهند قيمة مماثلة تقريبًا. وبذلك تحوّلت الهند إلى ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا بعد الصين، ما يعكس تنامي الوزن الاقتصادي للعلاقات الثنائية بين البلدين.

تُصدّر إسرائيل إلى الهند بصورة رئيسية الآلات والمعدات، والمواد الكيميائية، والمعدات الطبية. وتشمل أبرز مجالات التصدير: الآلات والمعدات الكهربائية والميكانيكية (63%)، والمواد الكيميائية (15%)، والأجهزة البصرية والطبية (8%).

في المقابل، تستورد إسرائيل من الهند الآلات، والمواد الكيميائية، والمعادن. وتشمل أبرز مجالات الاستيراد: الآلات والمعدات الكهربائية (25%)، والمواد الكيميائية (13%)، والمعادن الأساسية (9%).

وتنظر إسرائيل إلى الهند باعتبارها شريكًا اقتصاديًا استراتيجيًا وسوقًا واعدة تشهد نموًا مستمرًا، لا سيما أنها تُعدّ واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم بفضل عدد سكانها الذي يناهز 1.4 مليار نسمة، إلى جانب التحسن التدريجي في مستويات المعيشة. ويأتي ذلك في ظل تقارب سياسي ملحوظ بين الحزب الحاكم في الهند، ذي التوجهات اليمينية، وحزب الليكود في إسرائيل، ما يضفي بعدًا سياسيًا إضافيًا على الشراكة الاقتصادية بين البلدين.

 

السعي لتوقيع اتفاقية تجارة حرة بين البلدين

وقّعت إسرائيل خلال العام الأخير عددًا من الاتفاقيات الاقتصادية الهادفة إلى توسيع التبادل التجاري وتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارات الثنائية. ومن أبرز هذه الاتفاقيات، اتفاقية حماية الاستثمارات (BIT) التي وُقّعت في أيلول/سبتمبر 2025.

توفر الاتفاقية إطارًا تنظيميًا ويقينًا قانونيًا للمستثمرين، وتكفل عدم التمييز بين المستثمرين الأجانب والمحليين. كما تدعم تعزيز الاستثمارات المتبادلة بين الجانبين من خلال توفير الحماية والوضوح القانوني، ومن المتوقع أن تسهم في توسيع حجم التجارة والاستثمارات بين البلدين.

ووفقًا لبيان صادر عن وزارة المالية الإسرائيلية، تُعدّ إسرائيل أول دولة من بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) توقّع مع الهند اتفاقية استراتيجية وفق هذا النموذج، في خطوة تعكس عمق العلاقات الاقتصادية المتنامية بين الطرفين.

وتعمل الهند وإسرائيل حاليًا على التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة شاملة (FTA) بحلول نهاية عام 2026، تهدف إلى خفض الرسوم الجمركية، وزيادة حجم التبادل التجاري، وتوسيع آفاق التعاون التكنولوجي بين البلدين. ومن المتوقع أن تركز الاتفاقية على التجارة والخدمات الرقمية، والزراعة، والمعدات الطبية. أما مجالات التعاون الرئيسية فستشمل التكنولوجيا، والزراعة، والمياه (لا سيما تحلية المياه)، والأمن السيبراني، والقطاعات الأمنية.

وتأتي هذه الجهود بالتوازي مع تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين، وفتح المجال أمام الشركات الإسرائيلية للمشاركة في مناقصات حكومية كبرى في الهند، في إطار برنامج التحديث والتطوير الاقتصادي الهندي.

ومن المتوقع أن تسهم اتفاقية التجارة الحرة في خفض ملموس للرسوم الجمركية على منتجات التكنولوجيا، والمواد الكيميائية، والمعدات الطبية، والمنتجات الزراعية المتقدمة، ما من شأنه تقليص كلفة الاستيراد على المستهلك الإسرائيلي وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الإسرائيلية في السوق الهندية.

وتقدّر إدارة التجارة الخارجية الإسرائيلية أنه مع دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ، قد يرتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بمليارات الدولارات سنويًا إضافية، إلى جانب إتاحة فرص أوسع أمام الشركات الإسرائيلية للمشاركة في مناقصات حكومية كبرى في الهند والانخراط في برنامج التحديث الاقتصادي الهندي.

تُعدّ الهند اليوم ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا، إذ بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي عام 2025 نحو 5 مليارات دولار. وقد ارتفعت الصادرات الإسرائيلية إلى الهند بنحو 50% خلال السنوات الخمس الماضية.

 

الهند من أكبر أسواق السلاح الإسرائيلية

في مطلع العقد الأول من الألفية الثالثة، أعلن الجيش الهندي إطلاق برنامج تحديث شامل لقواته المسلحة، خُصصت له ميزانيات تُقدّر بعشرات مليارات الدولارات. ومنذ ذلك الحين، شهدت صفقات السلاح بين الهند وإسرائيل نموًا متسارعًا، لتتحول الصناعات الأمنية إلى ركيزة أساسية في العلاقات الثنائية.

وفي عام 2005، أعلنت شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية عن خطط لإنشاء خمسة مصانع في الهند لإنتاج قذائف مدفعية، في خطوة عكست انتقال التعاون من مجرد التوريد إلى الشراكة الصناعية.

ومنذ عام 2010، تطوّرت تجارة السلاح بين البلدين بشكل كبير، مع صفقات بمليارات الدولارات شملت منظومات دفاع جوي، وصواريخ دقيقة، وطائرات مسيّرة، وأنظمة رادار ومراقبة متقدمة.

وتعزز هذا المسار بشكل ملحوظ عام 2014 عقب انتخاب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. فبين أيار/مايو وتشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام، صدّرت إسرائيل إلى الهند أسلحة ومعدات عسكرية بقيمة 662 مليون دولار، وهو رقم فاق إجمالي الصادرات الإسرائيلية إلى الهند خلال السنوات الثلاث السابقة مجتمعة.

وفي عام 2015، واصل الطرفان توسيع التعاون العسكري، حيث قام وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون بأول زيارة رسمية لوزير أمن إسرائيلي إلى الهند، وشارك خلالها في معرض "آيرو إنديا" للأسلحة في بنغالور إلى جانب كبار مسؤولي قطاع الدفاع الإسرائيلي.

وفي عام 2017، وقّعت الهند عقدًا لشراء منظومات "باراك 8" للدفاع الجوي، وهي من أنظمة الصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى، وبلغت القيمة الإجمالية لهذه الصفقات مليارات الدولارات. كما حصلت الهند على ترخيص لتصنيع هذه الصواريخ محليًا بالتعاون مع شركات إسرائيلية، في إطار تعزيز التصنيع الدفاعي المحلي.

وفي السنوات اللاحقة، وُقّعت صفقات إضافية شملت صواريخ دقيقة ومنظومات دفاع صاروخي وأجهزة اتصالات متطورة، من بينها صفقة قُدّرت بنحو 780 مليون دولار.

وفي أواخر عام 2025، وافق مجلس الدفاع الهندي على حزمة مشتريات عسكرية من الصناعات الأمنية الإسرائيلية بقيمة تقارب 8.7 مليارات دولار، تضمنت 1000 صاروخ موجه من طراز "SPICE" جو–أرض من شركة رفائيل. كما وقّعت الهند مذكرات تفاهم ومشاريع مشتركة مع شركات إسرائيلية لتطوير تقنيات الطائرات المسيّرة وأنظمة دفاع متقدمة، في انسجام مع مبادرة "صنع في الهند".

وبذلك أصبحت الهند واحدة من أكبر الأسواق المستوردة للسلاح الإسرائيلي في العالم، إذ تمثل ما بين 34% و41% من إجمالي صادرات إسرائيل العسكرية في السنوات الأخيرة. وتُقدّر قيمة صادرات الأسلحة الإسرائيلية إلى الهند خلال الفترة 2020–2024 بنحو 20.5 مليار دولار، شملت أنظمة رادار، وطائرات مسيّرة، وصواريخ، ومنظومات مراقبة متقدمة.

ولا يقتصر التعاون على صفقات البيع، بل يمتد إلى مجالات أوسع تشمل تبادل الخبرات والتدريب، والتعاون في التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، ما يعكس الطابع الاستراتيجي المتنامي للشراكة الدفاعية بين البلدين.

 (عرب 48)