ضم الضفة الغربية: قراءة في ضوء القانون الدولي العام
2025-11-06 / 10:50
من الناحية القانونية، يُعتبر الضم، سواء أكان رسميا أو بحكم الأمر الواقع، عملاً غير مشروع، ويترتب عليه عدم نشوء أي أثر قانوني للسيادة المزعومة
بقلم : طاهر تيسير المصري
تُطرح قضية ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها منذ الأيام الأولى للاحتلال الإسرائيلي في حزيران 1967، باعتبارها أحد الخيارات السياسية التي لم تغب عن مرتكزات السياسات الإسرائيلية. فرغم أن الضفة الغربية تخضع منذ ذلك التاريخ لاحتلال عسكري يخالف أحكام القانون الدولي، فإن التصريحات الرسمية المتكررة لمسؤولين إسرائيليين، والمشاريع الحكومية المتعاقبة، تُظهر أن فكرة الضم بقيت حاضرة ومتجددة في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وتعود اليوم لتُطرح مجدداً بوصفها خياراً (ضرورة) ضمن النقاشات السياسية الجارية.
ومع أن هذا النقاش غالباً ما يُتناول من زاوية سياسية، إلا أن هذه القضية جوهرها قانوني بحت، يتصل بمبدأ حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وبالطبيعة القانونية للأراضي المحتلة، وبالالتزامات المترتبة على الدولة القائمة بالاحتلال وفق القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة.
عقب حرب حزيران 1967، اعتُبرت الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، وفق القانون الدولي، أراضٍ محتلة تخضع لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب. ولم تعترف أي دولة في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، بسيادة "إسرائيل" على هذه الأراضي، رغم السيطرة الفعلية التي تمارسها عليها.
ودون الالتفات للقانون الدولي، سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى فرض وقائع مادية على الأرض من خلال التوسع الاستيطاني، وضم فعلي لمناطق محددة عبر توسيع صلاحيات الإدارة المدنية والأوامر العسكرية، واعتبار المستوطنات جزءاً من المنظومة القانونية الإسرائيلية الداخلية. وقد مثّل ضم القدس الشرقية عام 1980، بموجب "قانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل"، سابقة واضحة لما يمكن أن يُعد نموذجاً لمحاولة ضم الضفة الغربية بأكملها أو أجزاء منها.
يُعد مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة حجر الزاوية في النظام القانوني الدولي، وقد نص عليه ميثاق الأمم المتحدة في المادة (2/4) التي تحظر التهديد أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما أكد مجلس الأمن في قراره رقم (242) الصادر في تشرين الثاني 1967 على عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، وطالب بــ"انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير".
ويُضاف إلى ذلك قرارات لاحقة صدرت عن مجلس الأمن مثل القرارات (446) و(465) و(478) التي أكدت أن جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الطابع الجغرافي أو الديموغرافي للأراضي المحتلة، بما في ذلك بناء المستوطنات، باطلة ولاغية ولا يترتب عليها أثر قانوني. كما اعتبرت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرارا أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة التي ينطبق عليها مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
النية المعلنة أو الضمنية لضم الضفة الغربية، سواء كليا أو جزئيا، تتعارض مع قواعد آمرة في القانون الدولي (jus cogens)، إذ يشكل الضم انتهاكا صارخا لمبدأ السيادة الإقليمية وتعديا على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في الرأي الاستشاري الصادر عام 2004 بشأن الجدار العازل أن بناء الجدار في عمق الضفة الغربية، وما يرتبط به من منظومة استيطانية، يمكن أن يُفضي إلى "ضم فعلي" للأراضي المحتلة، في مخالفة واضحة للقانون الدولي الإنساني.
ويرى العديد من فقهاء القانوني الدولي مثل جيمس كراوفورد أن الضم، سواء أُعلن رسميا أم مورس فعليا عبر سياسات مادية، يُعد "عملاً غير مشروعاً دوليا مستمراً" ما دامت الدولة القائمة بالاحتلال لم تُنهِ سيطرتها العسكرية أو لم تعترف بحق تقرير المصير للشعب الواقع تحت الاحتلال. وهذا يعني أن مجرد إعلان نية الضم، مقروناً بإجراءات تنفيذية كبناء المستوطنات وتوسيعها أو فرض القانون الإسرائيلي على مناطق (ج أو ب)، يدخل ضمن النية القانونية للضم التي تستتبع مسؤولية دولية.
الحق في تقرير المصير هو من الحقوق الأساسية المثبتة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما يشكل قاعدة مركزية في ميثاق الأمم المتحدة، وفي قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. إن هذا الحق، والذي يمنح الشعوب، بمن فيهم الشعب الفلسطيني، حرية اختيار وضعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي دون تدخل خارجي، يُعد من الحقوق التي لا تسقط بالتقادم ولا يمكن التخلي عنها.
وإذا ما تُرجمت نية الضم عملياً، فإن ذلك يُلحق ضرراً مباشراً بهذا الحق، باتجاهين رئيسيين: أولهما من حيث إحباط إقامة دولة فلسطينية مستقلة لأن الضم الفعلي أو الرسمي لأجزاء من الضفة الغربية يعني أن تلك الأراضي التي يفترض أن تكون جزءاً من دولة فلسطين المستقبلية تُدمج ضمن السيادة الإسرائيلية، مما يُفقد الشعب الفلسطيني إمكانية تحقيق وجود مستقل في تلك المساحة.
وثانيهما من حيث تأبيد وضع الاحتلال حيث يؤكد القانون الدولي الإنساني على أن الاحتلال هو وضع مؤقت، وأنه لا يجوز أن يُحوّل إلى امتلاك أو سيادة دائمة للدولة القائمة بالاحتلال. ولكن الضم، أو نية الضم، تدفع نحو جعل الواقع على الأرض "أمر واقع" تُنشأ من خلاله آليات وسياسات تُعطل فعلياً قدرة الفلسطينيين على اتخاذ قراراتهم السياسية والاقتصادية والثقافية بحرية. وفي رأي محكمة العدل الدولية، فإن الاحتلال لا يجوز أن يُستخدم "بهذه الطريقة بحيث يُترك الشعب المُحتل في حالة تعليق دائم".
ومن الناحية الحقوقية، فإن أي إجراء ضم، سواء أُعلن أو نفّذ فعلياً، من شأنه أن يُشكل خرقاً لمبدأ حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره كما ورد في قرار الجمعية العامة رقم (A/75/376) وغيرها من قرارات الأمم المتحدة.
وعليه، فإن تأثير الضم ليس مجرد تغيير قانوني في الوضع الإداري أو السيادي للأرض، بل يُمثل تقييداً جوهرياً لحق أساسي، مما يُحوّل الوضع من احتلال زمني إلى واقع قانوني دائم أو شبه دائم، وبالتالي ينتفي جزء كبير من المساحة التي يمكن من خلالها للشعب الفلسطيني أن يمارس حقه في تقرير مصيره.
لم تعترف الأمم المتحدة يوما بأي سيادة إسرائيلية على الضفة الغربية أو القدس الشرقية. وأكد قرار الجمعية العامة رقم (67/19) لعام 2012، الذي اعترف بدولة فلسطين بصفة مراقب، على أن حدود الدولة الفلسطينية هي حدود الرابع من حزيران 1967، أي أن الضفة الغربية جزء من إقليم دولة فلسطين.
كما صرحت الأمم المتحدة، في أكثر من مناسبة، بأن أي تحرك أحادي الجانب لضم أجزاء من الضفة يشكل "انتهاكًا خطيرا للقانون الدولي"، فيما أكد الاتحاد الأوروبي أن مثل هذا الضم "لن يُعترف به تحت أي ظرف". وتذهب مواقف خبراء القانون الدولي إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الضم، إذا تحقق، يمكن أن يشكل جريمة دولية تقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة (8/ب/8) من نظام روما الأساسي التي تحظر "قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها".
من الناحية القانونية، يُعتبر الضم، سواء أكان رسميا أو بحكم الأمر الواقع، عملاً غير مشروع، ويترتب عليه عدم نشوء أي أثر قانوني للسيادة المزعومة. فالمبدأ المستقر في الفقه الدولي يقضي بأن "الاحتلال لا ينقل السيادة"، وأن جميع القوانين والقرارات الصادرة عن السلطة القائمة بالاحتلال بهدف تغيير الوضع القانوني أو الديموغرافي للأرض المحتلة باطلة بحكم القانون الدولي.
أما بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، فإن أي عملية ضم ستؤدي إلى خرق جسيم لالتزامات "إسرائيل" بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، وخاصة المواد (47 و49) التي تحظر نقل السكان المدنيين إلى الأراضي المحتلة أو إخضاع سكانها لقوانين السلطة القائمة بالاحتلال. وبناءً عليه، فإن الضم سيُعد خرقاً واضحاً وخطيراً للقانون الدولي الإنساني، وقد يُصنف ضمن الأفعال المكوّنة لـ"جريمة الفصل العنصري".
تُظهر السوابق القانونية الدولية، أن المجتمع الدولي تعامل مع أعمال الضم بوصفها انتهاكات خطيرة للنظام الدولي، ورفض الاعتراف بها بشكل قاطع. وقد تبنى مجلس الأمن مبدأ "عدم الاعتراف" كواجب قانوني على الدول كافة في مواجهة أي ضم ناتج عن استخدام القوة، ما يعني أن أي محاولة إسرائيلية مماثلة لضم الضفة لا يمكن أن تُكسبها شرعية قانونية أو سيادية، حتى لو استمرت السيطرة الواقعية على الأرض.
إلى جانب البعد القانوني، فإن لأي ضم محتمل للضفة الغربية آثاراً سياسية عميقة. ترى فئة غير قليلة في "إسرائيل" أن ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها هو إجراء طبيعي لفرض السيادة الإسرائيلية على "يهودا والسامرة"، التي تُعدّ، وفق تعبير وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش، "وعد الرب وإرث الأجداد". هذا التوجه، وإن بدا استمرارا لنهج قديم في الفكر الصهيوني السياسي، فإنه لا يعكس مجرد تحول في أولويات بعض النخب الإسرائيلية من خيار التسوية القائمة على دولتين إلى خيار الضم بوصفه "حقاً إلهياً"، بل يُجسد في جوهره امتدادا للعقلية الاستعمارية الإحلالية التي تستند إلى توظيف الدين والأيديولوجيا القومية لتبرير السيطرة المكانية ونزع الشرعية عن الوجود الفلسطيني. فبهذا المعنى، يغدو الخطاب الديني الأيديولوجي أداة لإضفاء طابع القداسة على مشروع سياسي توسعي، يُعيد إنتاج الاحتلال بقالب سيادي لاهوتي يسعى لتكريس واقع الضم بوصفه تجسيدا لمشيئة "الرب" لا لخرق أحكام وقواعد القانون الدولي.
نية "إسرائيل" بضم الضفة الغربية، سواء أعلنت رسميا أم مارست ضمنيا، تُعد مخالفة جوهرية لقواعد القانون الدولي العام، وتمثل انتهاكا لمبدأ حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، ولحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولالتزامات الدولة القائمة بالاحتلال وفق القانون الدولي الإنساني. كما أن الضم، وفق الفقه والاجتهاد القضائي الدولي، لا ينشئ حقوقا ولا يُرتب سيادة، بل يولّد مسؤولية دولية مستمرة تستوجب المساءلة.
ولذلك، فإن التعامل مع هذه النية الإسرائيلية يجب ألا يكون مجرد جدل سياسي، بل ينبغي أن يُطرح على نحو قانوني مؤسسي يُعيد التذكير بأن النظام الدولي، رغم اختلال ميزان القوى، لا يزال قائما على مبدأ بسيط وثابت هو "لا شرعية لاحتلال ولا سيادة تُكتسب بالقوة".