لماذا تريدون إقناعنا بأنّ الشرع استثناء
2025-11-13 / 09:01
حين ننظر إلى ما يقوم به الشرع، بجعلنا نتساءل في كيف انفتح فجأة على الغرب، وتحديدًا على الولايات المتحدة الأميركية؟ كيف أصبحت واشنطن، التي لم ترفع يدها يومًا عن دعم الكيان الصهيوني، تفتح أبوابها لنظام كان حتى الأمس القريب موضوعًا على لوائح العقوبات والعزلة؟ هل فعلت ذلك حبًا في الشرع، أم لأنّ ثمّة صفقة سياسية جرى تمريرها تحت الطاولة؟
بقلم: فادي البرغوثي
يأخذ بعض الناس على مقالاتي أنني أقف ضد الشرع وضد نظامه، وكأنّ المسألة تتعلق بموقف شخصي أو خصومة سياسية. والحقيقة أن القضية أبعد من ذلك بكثير. فالمسألة ليست في الأشخاص، بل في الخيارات التي تعبّر عنها الأنظمة، وفي التموضع السياسي الذي تختاره ضمن خارطة الصراع العالمي.
حين ننظر إلى ما يقوم به الشرع، بجعلنا نتساءل في كيف انفتح فجأة على الغرب، وتحديدًا على الولايات المتحدة الأميركية؟ كيف أصبحت واشنطن، التي لم ترفع يدها يومًا عن دعم الكيان الصهيوني، تفتح أبوابها لنظام كان حتى الأمس القريب موضوعًا على لوائح العقوبات والعزلة؟ هل فعلت ذلك حبًا في الشرع، أم لأنّ ثمّة صفقة سياسية جرى تمريرها تحت الطاولة؟
من يقرأ عقل الولايات المتحدة يدرك أن لا شيء عندها بلا ثمن. هذه الدولة التي ما زالت حتى اللحظة تضع منظمة التحرير الفلسطينية على قائمة الإرهاب، لا يمكن أن تُسقط تهمها عن نظامٍ بين ليلة وضحاها "لسواد عيونه". إذن، ما المقابل؟ ولماذا يغضّ كثيرون الطرف عن هذا السؤال؟
هناك من يقول إن الشرع يمارس "سياسة على حافة الهاوية"، وإنه الفهلوي القادر على المناورة. لكنّ التجربة التاريخية مع واشنطن تنفي هذه الفرضية. فالولايات المتحدة لم تتسامح مع من حاول اللعب في المساحة الرمادية؛ من لم يكن معها كان ضدها. هذه القاعدة الثابتة هي التي أودت بنظام الاسد ونظام صدام حسين حين حاول الخروج عن النص الأميركي. فكيف يُفترض أن يكون الشرع استثناءً من هذه القاعدة الحديدية؟
ثم ماذا عن التصريحات التي أطلقها في واشنطن، حين قال إنه حرّر سوريا من حزب الله وإيران؟ هذه العبارة وحدها كاشفة. إذ كيف يتحوّل الحديث من مقاومة الاحتلال إلى التحرر من قوى المقاومة؟ ثم لماذا الصمت المريب عن توسّع "إسرائيل" في الأراضي المحتلة؟ من الذي يقرر من هو العدو ومن هو الحليف في منطق كهذا؟
أما عن الانتخابات التي يجريها النظام، والتي هي في جزء كبير منها تعيينات مقنّعة، فهي لا تُقنع أحدًا. من يراقبها يدرك أن ما يجري ليس أكثر من إعادة تدوير للنظام في شكله، دون أي تغيير في جوهره.
النقطة الجوهرية التي غالبًا ما يغفلها المراقبون هي أن العقوبات الغربية لا تُفرض فقط على أساس الهجوم المباشر أو الصدام العسكري مع الولايات المتحدة، بل على أساس الوظيفة التي يؤديها كل نظام في التوازن الإقليمي. في عهد النظام السابق، رغم أنه لم يحارب الولايات المتحدة، كان يُنظر إليه على أنه غير قابل للتحكم، وأنه يحتفظ بموقف معين تجاه "إسرائيل" ومشروع الهيمنة الغربي في المنطقة. موقفه في الجولان، وفي دعم المقاومة، وفي سياسات لبنان كان يشكّل تهديدًا لمصالح الغرب. لذلك فرضت واشنطن العقوبات، ليس كعقاب على الديمقراطية التي لا شك انها مطلب ضروري للشعب السوري، انما فرضتها لضبط النظام وفرض التكتيك والسيطرة.
أما النظام الجديد، فقد أصبح موظفًا مرحليًا، يمكن للغرب استخدامه كواجهة للاستقرار، بلا أي قدرة حقيقية على تحدي المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية. الانفتاح عليه إذًا ليس تقديرًا لمشروعية النظام، بل لأنه أصبح أداة وظيفية لتثبيت التوازن الإقليمي وضمان مصالح الغرب.
وهنا تكمن نقطة اقتصادية مهمة تتلخص في ان كل الأنظمة التي مشيت في الفلك الأمريكي ظلت فقيرة ومقيّدة، لأن واشنطن تحرص على إبقائها تابعة ومسيطرة عليها، لا لتطوير اقتصادها أو تمكينها من الاستقلال المالي. من يراهن على تطوير اقتصاد سوريا تحت الحماية الأمريكية أو بموافقتها هو مخطئ. وهناك العديد من التجارب ، التي توضح كيف تُستخدم السياسات الغربية الاقتصادية كأداة للسيطرة والارتباط، وليس للنمو او التنمية.
إنّ ما يجري في دمشق اليوم ليس مجرد تحوّل في السياسة، بل هو انهيار بكل ما تعنية الكلمة . فحين تتحوّل سوريا من الموقف المستقل إلى ساحة صامتة أمام التوسّع الاحتلال الإسرائيلي، لا يعود السؤال عن شخص الحاكم، بل عن المصير الذي اختاره لنظامه ولشعبه.
وللتاريخ كلمته في النهاية. فالتاريخ لا يرحم من يساوم على الموقف، ولا يصفح عن من يبدّل ولاءاته بحسب اتجاه الريح. والأنظمة التي تراهن على رضا واشنطن سرعان ما تكتشف أن الرضا الأميركي لا يُشترى إلا بثمن السيادة، وأن من يسلّم قراره اليوم سيُستبدل غدًا بمن هو أكثر طاعة وأقل كلفة.