بين التكلفة والضرورة ... المقاومة كشرط للحياة
2025-11-27 / 21:56
المقاومة ليست عبئًا على الشعوب، بل هي الثمن الضروري لبقائها، لأن الصمت أمام الاحتلال يفتح الطريق لمزيد من التوسع والتصفية.وحين يتوقف الشعب عن الفعل يفقد حضوره في العالم، فتسود رواية المحتل وحده.أما نفسيًا، فإن الكبت الناتج عن القهر يتحول إلى عنف داخلي، بينما تمنح المقاومة الإنسان توازنًا وكرامة وقدرة على الاستمرار.
فادي البرغوثي:
كثيراً ما يظن البعض أن تكلفة المقاومة هي أثقل ما يمكن أن يتحمله شعبٌ واقع تحت الاحتلال، وأن الدخول في مواجهة مع قوة غاشمة يعني تحميل المجتمع ما يفوق طاقته من الدم والدمار والخسائر. هذا الظن يبدو لأول وهلة منطقيًا لمن يقرأ اللحظة وحدها، لكنه ينهار كليًا عندما نقرأ التاريخ، ونفهم سنن الصراع، ونفهم طبيعة المستعمر الذي لا يشبع، والذي يفهم الصمت باعتباره قبولًا، ويفهم التراجع باعتباره دعوة إلى المزيد من التوسع. إن تكلفة المقاومة مهما بدت كبيرة، فإنها تظل أقل بكثير من تكلفة السكوت، بل إن السكوت هو الخطر الأكبر، لأنه لا يترك للشعب حتى فرصة أن يبقى حاضرًا في ذاته أو في العالم.
فالاحتلال لا يتصرف ببرود أو بحياد، ولا يقف عند حدود معينة. المستعمر عبر التاريخ كله لا يكتفي بما يملك، بل يتوسع حيث تضعف إرادة الشعوب. وقد أثبتت التجارب، من الجزائر إلى فيتنام إلى فلسطين، أن الاحتلال عندما يشعر أن الشعب خضع أو تعب أو فقد إرادة الفعل، يبدأ بتطبيق استراتيجيات التصفية البطيئة. التصفية هنا ليست بالضرورة الإبادة المباشرة، وإنما السيطرة على الوعي، تفكيك المجتمع، السيطرة على الأرض، دفع الناس إلى الهجرة، وإفراغ البلاد من روحها ومعناها. السكوت في ميزان المستعمر يعني أن الطريق مفتوح، وأن مقاومة المستقبل لن تأتي، فيعيد ترتيب خططه على أساس أن الشعب انتهى في وعيه الجمعي، وأن الوقت قد أصبح مناسبًا لبداية النهاية الهادئة.
ومن يظن أن سكوت الشعب يعني أن الاحتلال سيتوقف عن جرائمه أو سيخفف ضغطه، فهو لم يفهم طبيعة الاحتلال. فالمستعمر يعمل وفق قاعدة ثابتة مفادها كل ما لا يواجهه الشعب اليوم سيفرض عليه غدًا، وكل تنازل يتحول إلى أرض جديدة يقف عليها المحتل ليطالب بما بعدها. لذلك، فإن الذين يظنون أن المقاومة مكلفة، يغفلون أن السكوت أكثر كلفة لأن نتائجه استراتيجية، وتظهر بعد سنوات حين تجد أن قدراتك تراجعت، وأن مجتمعك فقد قدرته على الوقوف من جديد.
وإلى جانب البعد العسكري والاستراتيجي لهذا المسار، ثمة بعد سياسي لا يقل أهمية. فالعالم لا يتحرك تجاه قضية صامتة. العالم لا يرى إلا ما يصنع ضجيجًا، ولا يسمع إلا من يفرض نفسه في الوعي الدولي. ولهذا كانت كل قضايا التحرر لا تُذكر في المحافل الدولية إلا حين يكون وراءها شعب يتحرك، يقاوم، يصرخ، ويعيد تعريف نفسه أمام العالم. أما حين يصمت الشعب، فإن الرواية الوحيدة المتبقية هي رواية الاحتلال. ومع مرور الوقت، يصبح العالم مقتنعًا بما يقوله المستعمر، ليس لأنه عادل، بل لأنه الطرف الوحيد الذي يتكلم.
لقد علمتنا التجارب أن الشعوب لا تتعاطف مع قضية غائبة، وأن الوعي العالمي لا يتشكل في يوم واحد، بل عبر تراكم المواقف والصور والأحداث. فحين يتحرك شعب، حتى إن كانت حركته غير متوازنة أو غير مكتملة، فإن العالم يضطر لرؤيته. وحين يرى العالم صمودًا حقيقيًا، يبدأ بإعادة قراءة الأسباب والجذور والحقوق. وهنا تنشأ المعرفة، والمعرفة هي بداية التغيير في موازين القوة وحتى في موازين الوعي العالمي. ولذلك فإن الشعوب التي تصمت تفقد ليس فقط القدرة على الدفاع عن نفسها، بل تفقد أيضًا قدرتها على الحفاظ على سردية وجودها أمام العالم.
وهذا يقود إلى البعد الأعمق، البعد النفسي، الذي أشار إليه المناضل والمفكر والطبيب النفسي فرانتس فانون في كتابه "معذبوا الأرض" . فانون يرى أن العنف الاستعماري لا يتوقف عند حدود قتل الأجساد، بل يقتل الروح، ويكسر البنية النفسية للأفراد. وعندما يُحرم الإنسان المضطهد من فرصة توجيه غضبه نحو المستعمر، فإن هذا الغضب يتحول إلى الداخل، ويبدأ المجتمع بمهاجمة نفسه. وهذا ما ظهر في الجزائر وغيرها من البلدان التي مرت بالمراحل الأولى من الاستعمار. حين يتوقف الشعب عن المقاومة، يبدأ العنف الداخلي بالتصاعد؛ تتحول النقمة المكبوتة إلى شجار بين الناس، توتر اجتماعي، تفكك في العلاقات، وتدمير للذات. لأن الإنسان المقهور يحتاج، كما يقول فانون، إلى أن يواجه مصدر القهر ليستعيد توازنه النفسي. إن المقاومة ليست فعلًا سياسيًا فقط، بل فعلٌ علاجي، يحرر النفس من القهر، ويعيد للإنسان إنسانيته.
ولهذا نرى أن أكثر الناس استقرارًا نفسيًا هم أولئك الذين يقاومون الاحتلال، لأنهم لا يعيشون التناقض الداخلي الذي يعيشه من يستسلم. فالاستسلام يولد شعورًا بالعجز، وهذا العجز ينقلب إلى كراهية للذات وللآخر، بينما المقاومة حتى إن كانت مليئة بالتضحيات فانها تمنح الإنسان شعورًا بأنه يقوم بواجبه تجاه نفسه وتجاه شعبه، وأنه يملك زمام مصيره. وهذا الإحساس يكفي لخلق توازن نفسي يمنع المجتمع من الانهيار.
ومن هنا، لا يمكن قراءة المقاومة بمنطق الحسابات اليومية، أو بمنطق عدد الشهداء والخسائر المادية فقط. فهذا منطق قصير النظر. الشعوب لا تُقاس بخسائر اللحظة، بل بقدرتها على البقاء، وعلى منع المستعمر من فرض المعادلة النهائية. فالاحتلال لا يحترم الضعفاء، ولا يعطي حقًا لمن لا يدافع عنه. بل إن المستعمر لا يعترف إلا بمن يفرض عليه كلفة لوجوده، كلفة تجعل استمرار الاحتلال غير قابل للاستدامة.
إن الذين يظنون أن الصمت يجلب السلام لم يفهموا أن الصمت هو بداية النهاية. فالشعوب التي لا تقاوم تذوب ببطء، تتآكل هويتها، وتفقد دورها، وتصبح مجرد كتلة بشرية بلا معنى. أما الشعوب التي تقاوم، فإنها تدفع ثمنًا، نعم، لكنها تحفظ لنفسها مكانًا في التاريخ. فالمقاومة قد تكون مكلفة، لكنها تبني غدًا. أما تكلفة السكوت فتُدفع كل يوم، وكل ساعة، وفي النهاية لا تُبقي غدًا أصلًا.
هذا هو ميزان الصراع كما تكشفه تجارب الشعوب: بان المقاومة ليست خيارًا بين حياة وموت، بل هي الحياة نفسها.