حين تُستثمر الدماء البعيدة لتبرير الإبادة القريبة ... كيف يوظّف الاحتلال المآسي؟

2025-12-14 / 19:45

الجيل الجديد، الذي لا يحمل عقدة الذنب الأوروبية تجاه التاريخ اليهودي، يرى في "إسرائيل" دولة استعمارية تمارس عنفًا بنيويًا لا يختلف في جوهره عن أنظمة الفصل العنصري التي لفظها التاريخ.
Post image

 بقلم :- فادي البرغوثي

في كل مرة يقع فيها حادث عنف في أي بقعة من العالم، تتحرك ماكينة الإعلام العبري والصهيوني بسرعة لافتة، لا بوصفها جهازًا لنقل الخبر أو تفكيكه أو البحث في أسبابه وسياقاته، بل باعتبارها أداة سياسية جاهزة لإعادة إنتاج سردية واحدة لا تتغير ... إسرائيل ضحية دائمة، والعالم معادٍ لها، وكل ما تفعله مهما بلغ من وحشية ليس سوى «دفاع عن النفس.

الخبر الذي تداولته وسائل إعلام عبرية مؤخرًا عن مقتل عشرة أشخاص وإصابة اثني عشر آخرين في حادث إطلاق نار خلال احتفال بعيد الأنوار اليهودي في أستراليا، لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه الوظيفة الدعائية. فالحادث، رغم فداحته الإنسانية، جرى توظيفه فورًا خارج سياقه الطبيعي، وربطه مباشرة بما يجري في فلسطين، وتحديدًا في غزة، في محاولة مكشوفة لتبييض الجرائم الإحتلال الجارية هناك، وصرف الأنظار عن إبادة لم يشهد العصر الحديث مثيلًا لها من حيث المنهجية والشمول.

ليس المقصود هنا التقليل من فظاعة الجريمة أو تبرير قتل المدنيين تحت أي ذريعة. فقتل الأبرياء مدان أخلاقيًا وإنسانيًا في كل مكان وزمان. لكن ما يجب التوقف عنده هو الطريقة التي يُستثمر بها الحدث سياسيًا وإعلاميًا. فالإعلام العبري لم يكتفِ بنقل الخبر، بل أعاد إنتاجه ضمن سردية "معاداة السامية العالمية" ، في إيحاء مقصود بأن ما يحدث في أستراليا هو امتداد طبيعي لما تصفه إسرائيل بـ«الحرب الوجودية» التي تخوضها، وبأن الخطر واحد والعدو واحد، وأن ما يجري في غزة ليس سوى فصل من هذه المواجهة الكبرى.

بهذا التوظيف، يتحول الضحايا في أستراليا إلى أدوات في معركة سياسية لا علاقة لهم بها، ويُختطف حزنهم الإنساني ليُستخدم غطاءً أخلاقيًا لجرائم تُرتكب على بعد آلاف الكيلومترات، ضد شعب أعزل يُقصف ويُجوَّع ويُهجَّر ويُقتل بلا هوادة. هنا لا تعود القضية إنسانية، بل تصبح جزءًا من هندسة وعي عالمية تهدف إلى خلط الأوراق، وتشويش البوصلة الأخلاقية، وإعادة تموضع "إسرائيل" في موقع الضحية بدل الجلاد.

إسرائيل اليوم تعيش أزمة عميقة، ليست فقط عسكرية أو أمنية، بل أزمة شرعية أخلاقية غير مسبوقة. ما ارتكبته في غزة منذ بدء حرب الإبادة، من تدمير شامل للبنية التحتية، واستهداف مباشر للمستشفيات والمدارس والملاجئ، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين، أغلبهم من الأطفال والنساء، وتجويع السكان، ومنع الدواء والماء، لا يمكن تغطيته أو تبريره بخطاب أمني تقليدي. هذه ليست حربًا بالمعنى المتعارف عليه، بل مشروع محو متكامل، يهدف إلى كسر إرادة شعب وإلغاء وجوده.

أمام هذا المشهد، لم تعد الرواية الصهيونية التقليدية قادرة على الصمود. صور الأطفال تحت الأنقاض، والمستشفيات المدمرة، والناس الذين يموتون جوعًا، اخترقت جدار التضليل، ووضعت "إسرائيل" في قفص الاتهام العالمي. من هنا، يصبح أي حادث عنف في العالم فرصة ذهبية لإعادة تدوير خطاب الضحية، واستدعاء ذاكرة الاضطهاد التاريخي، وخلط اليهودية كدين وثقافة بالصهيونية كمشروع استعماري، في عملية تزييف واعية ومقصودة.

إن أخطر ما في هذا التوظيف ليس فقط تبرير الجرائم، بل إعادة تعريف المفاهيم. فالمقاومة الفلسطينية، في الخطاب الصهيوني، تُقدَّم باعتبارها امتدادًا لإطلاق النار في أستراليا، بينما تُقدَّم آلة القتل "الإسرائيلية" بوصفها ردًّا حضاريًا على "الإرهاب العالمي". هكذا يُلغى السياق الاستعماري لفلسطين، ويُمحى تاريخ الاحتلال، ويُختزل الصراع في معادلة أمنية زائفة لا ترى في الفلسطيني سوى تهديد، ولا ترى في "إسرائيل" سوى دولة تحمي نفسها.

لكن هذه المعادلة بدأت تتصدع. فالعالم لم يعد كما كان. الرأي العام العالمي، خاصة في الجنوب العالمي، لم يعد يقبل بهذه السردية الجاهزة. الجامعات، والنقابات، وحركات التضامن، باتت أكثر وعيًا بالفصل بين معاداة السامية كجريمة مرفوضة، وبين نقد الصهيونية وسياسات دولة الاحتلال كواجب أخلاقي. والجيل الجديد، الذي لا يحمل عقدة الذنب الأوروبية تجاه التاريخ اليهودي، يرى في "إسرائيل" دولة استعمارية تمارس عنفًا بنيويًا لا يختلف في جوهره عن أنظمة الفصل العنصري التي لفظها التاريخ.

إن محاولة توظيف حادث أستراليا لتبرير جرائم غزة، تكشف في جوهرها حجم المأزق الذي تعيشه "إسرائيل". فالدولة الواثقة من عدالة قضيتها لا تحتاج إلى استغلال مآسي الآخرين، ولا إلى خلط الدماء، ولا إلى تحويل كل حدث عالمي إلى دليل على شرعية القتل الجماعي. هذا السلوك هو سلوك كيان يشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، وأن صورته التي بناها لعقود تتهاوى أمام وعي عالمي جديد. فالتاريخ لا يُكتب بالعناوين العاجلة، بل بالحقائق المتراكمة. وحقائق غزة اليوم أقوى من كل حملات التضليل لشعب يُباد، واحتلال يُدان، وعالم يُمتحن في إنسانيته.

وفي المحصلة، فإن دماء الضحايا في أستراليا لا يمكن أن تكون جسرًا لعبور الجرائم "الإسرائيلية"، كما أن دماء أطفال غزة لن تُمحى بتقارير دعائية أو خطابات خوف. المعركة الحقيقية اليوم هي معركة وعي، و"إسرائيل"، مهما حاولت توظيف الألم الإنساني هنا وهناك، تخسر هذه المعركة يومًا بعد يوم، لأن الحقيقة مهما طال حصارها تملك قدرة لا تُقهر على الظهور.