غزة..إبنة العصور
2025-09-15 / 13:42
غزة- لم تكن مدينة غزة ابنة عصر بعينه، بل ابنة الأجيال كلها، ورفيقة العصور من فجر التاريخ حتى يومنا هذا. هذا الإدراك لقيمة المدينة لم يقتصر على المؤرخين العرب، بل تجاوزه إلى باحثين غربيين، فرأى المستشرق الأمريكي ريتشارد غوتهيل أنها “نقطة مثيرة للمهتم بدراسة التاريخ”، لأنها جمعت التجارة والاستراتيجية والسياسة في موقع واحد.
غزة.. الاسم والمعنى
عرفت غزة بأسماء متعددة مع تعاقب الحضارات والممالك: "هزاتي" عند الكنعانيين، "غزاتو" لدى الفراعنة، "عزة" بالعبرية، "غادريس" في عهد الصليبيين، و"غزة هاشم" في الوجدان العربي والإسلامي، نسبة إلى هاشم بن عبد مناف جد الرسول محمد ﷺ الذي مات فيها، وهو عائد بتجارته منها نحو مكة عام 524م، إذ كانت غزة محط رِحاله، ومأوى ضريحه، ولم يغب عن أهل غزة تقدير ذلك الشرف، والرابطة بينهم وبين قريش ومكة، وسموا أكبر مساجدهم باسمه. كما ولد في هذه المدينة أحد أئمة الإسلام وفقهائها الكبار، وهو الإمام محمد بن إدريس الشافعي (رحمه الله).
وتعددت تفسيرات معنى الاسم: العِزة والمنعة كما عند يوسابيوس وسميث، أو "الكنز الملكي" كما عند بعض المصادر الفارسية، أو "الثروة" كما في الروايات اليونانية. هذا التداخل بين المعنى والتاريخ يعكس جوهر غزة: مدينة صلبة في مواجهة الغزاة، وغنية برصيدها الحضاري.
يقول يوسابيوس القيصري الذي أطلق عليه "أبو التاريخ الكنسي"، وقد عاش في القرن الرابع بعد الميلاد، إن "غزة" تعني العِزة والمَنَعة والقوة. وانضم إليه في ذلك، بحسب "العارف"، السير وليام سميث في قاموس العهد القديم الذي صدر عام 1863.
وأرجع الفريق السبب في ذلك إلى الحروب الكثيرة التي دارت رحاها في المدينة وحولها، والتي صمدت غزة خلالها، وهو المعنى الذي يميل إليه المؤرخ الفلسطيني.
وتشير الحفريات الأثرية إلى أن غزة وُجدت منذ ما يقارب ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، في موقع يعرف اليوم بـ تل العجول جنوب المدينة الحالية. ومع الوقت، انتقل السكان إلى الموقع القائم اليوم بسبب قربه من البحر.
ويرى بعض المؤرخين، ومنهم عارف العارف، أن المعينيين والسبئيين من أوائل من أسسوا غزة كمركز تجاري ينقل بضائع اليمن والهند عبر الجزيرة إلى موانئ المتوسط. لكن الكنعانيين تركوا الأثر الأعمق؛ فقد زرعوا الزيتون، وصنعوا الفخار والنسيج والمعادن، واخترعوا الأبجدية، وسنّوا الشرائع.
علم الآثار يكشف أن غزة لم تكن قرية عابرة، بل مدينة مزدهرة، حتى أن أسوارها الكنعانية بُنيت من حجارة ضخمة ما زال بعضها قائماً. كانت غزة منذ بدايتها عقدة تجارة وحضارة، لا مجرد تجمع سكاني على البحر.
بين التجارة والإمبراطوريات
كان موقع غزة الجغرافي سرّ عظمتها وسرّ معاناتها في آن واحد. فهي تقع عند ملتقى الطريق البري القادم من الجزيرة العربية بالطريق المتجه إلى مصر غرباً وبلاد الشام شمالاً.
كانت القوافل تحمل الطيب والبخور والتوابل من جنوب الجزيرة واليمن، تمر عبر مكة ويثرب والبتراء، ثم تنقسم إلى طريقين، الأول يتجه نحو غزة حيث الميناء على المتوسط، لتُشحَن البضائع إلى أوروبا، وطريق آخر يتجه شمالاً نحو دمشق وتدمر، ومنها إلى الأناضول. هذا الموقع جعلها عقدة مواصلات لا غنى عنها. ولذلك كانت الإمبراطوريات تتسابق للسيطرة عليها، لأنها تمثل مفتاح التجارة و”صمام الأمان” للطريق بين الشرق والغرب.
وقعت غزّة تحت سيطرة قدماء المصريين لأكثر من 350 عاماً، قبل أن ينتزعها الفلسطينيون القدماء، ويحولوها بسرعة إلى إحدى أهم المدن العالمية المؤثرة في القرن الثاني عشر قبل الميلاد.
ومن ثم انطوت غزة تحت حكم الأنبياء الملوك من بني إسرائيل داود وسليمان (عليهما السلام)، ثم بسطت الإمبراطورية الآشورية سيطرتها عليها في حوالي عام 730 ق. م لعدة قرون، وذلك بعد حملات كبيرة قاومها أهل غزة بضراوة، ثم تحولت المدينة إلى سيطرة الحكم الفارسي حين سعوا لجعلها قاعدة إدارية لهم، لكن المدينة بقيت عصية على الاندماج الكامل، قبل أن يضع الرومان أيديهم عليها وتزدهم غزة كمركز تجاري وثقافي، وتنتشر فيها المدارس والمعابد.
هذه التجارب التاريخية يمكن مقارنتها بما يجري اليوم: فكما حاول الآشوريون والفرس قديماً إخضاع غزة وإزالة شخصيتها، يحاول الاحتلال الإسرائيلي اليوم حصارها وقصفها وتجويعها. لكن النتيجة تكاد تكون واحدة: المدينة تُدمى لكنها لا تُهزم. وكأن غزة تحمل ذاكرة مقاومة متوارثة، تتجدد جيلاً بعد جيل. فحتى في هذه الفترات التي شهدت نوعاً من الازدهار تحت حكم القوى الكبرى، ظل أهل غزة يحتفظون بهويتهم الخاصة، متشبثين بعاداتهم وأسواقهم. وهذا ما يفسر لماذا بقيت غزة "فلسطينية" رغم كل موجات الاحتلال.
غزة في صدر الإسلام
كانت غزة أول مدينة فلسطينية تُفتح على يد المسلمين عام 635م بقيادة عمرو بن العاص. وبرزت مكانتها حين دُفن فيها هاشم بن عبد مناف، لتصبح "غزة هاشم". كما ارتبطت بالصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص الذي عاش فيها فترة.
في العصور الإسلامية اللاحقة، تعاقبت عليها سلطة الأمويين والعباسيين والفاطميين والأيوبيين وازدهرت غزة بالأسواق والخانات والمساجد، وأصبحت مركزاً للفقه والعلم، ثم احتلها الصليبيون وحكموها بالحديد والنار والعسف نحو ثمانية عقود، قبل أن يستعيدها الفتح الإسلامي مرة أخرى بقيادة الناصر صلاح الدين الأيوبي عام 1187 م، ليحولها إلى مركز إداري إستراتيجي بين مصر والشام.
وفي العهد المملوكي، اتخذها السلطان الظاهر بيبرس محطة استراتيجية، وبنى فيها المدارس والمساجد. أما في العصر العثماني (1517–1917) فكانت غزة ولاية مزدهرة لقرون ومركزاً زراعياً وتجارياً مهماً، وحامية للمدخل الجنوبي لفلسطين.
بؤرة نضال وطني
مع الحرب العالمية الأولى، احتلت القوات البريطانية غزة عام 1917 بعد ثلاث معارك طاحنة عُرفت باسم "معارك غزة"، سقط فيها آلاف الجنود، ومع وقوع غزة تحت الاحتلال البريطاني (1917–1948)، انخرط أهلها في المقاومة والثورات الفلسطينية، مثل ثورة 1929 والإضراب الكبير عام 1936. وفي هذه المرحلة تبلورت غزة كبؤرة نضال وطني، ترفض وجود البريطانيين والمشروع الصهيوني.
ومع نكبة 1948 أصبحت غزة تحت الإدارة المصرية، وملاذاً لعشرات آلاف اللاجئين. ثم احتلتها إسرائيل 5 أشهر أثناء العدوان الثلاثي عام 1956، قبل أن تعود لمصر. وبعد هزيمة يونيو 1967، وقعت تحت الاحتلال الإسرائيلي مجدداً، ليتحول ليل غزة إلى ميدان للفدائيين ونهارها إلى سيطرة للجنود، كما وصفت صحيفة "صاندي تايمز" البريطانية.
ومن رحم هذا الواقع انفجرت انتفاضة الحجارة عام 1987، التي شكّلت نقطة تحوّل في النضال الفلسطيني. ومع انتفاضة الأقصى عام 2000، أصبحت غزة مختبراً لأساليب جديدة من المقاومة أجبرت إسرائيل على الانسحاب منها عام 2005، لكنها ظلت تحت الحصار.
ومنذ انسحاب الاحتلال الإسرائيلي، تحولت غزة إلى ساحة حروب إسرائيلية عدوانية متكررة بدءا من عدوان الرصاص المصبوب/ معركة الفرقان 2008ـ مرورا بعدوان 2012 عمود السحاب/ حجارة السجيل، و2014 الجرف الصامد/ العصف المأكول، ثم 2021 حارس الأسوار/ سيف القدس، وصولا إلى حرب الإبادة المستمرة بعد عملية "طوفان الأقصى" في أكتوبر 2023، التي أعادت غزة إلى واجهة المشهد العالمي.
في كل هذه الحروب، دفعت غزة ثمناً باهظاً من دماء أبنائها وبنيتها التحتية، فدمّر جزءاً كبيراً من اقتصادها؛ وجُرفت بساتينها، وقُصفت مصانعها، وتعطلت مشاريعها السياحية على البحر، وتحولت البطالة والفقر إلى واقع يثقل حياة سكانها. ومع ذلك، يظل سوق غزة الشعبي، وأزقتها المزدحمة، ومساجدها التاريخية مثل المسجد العمري الكبير ومسجد السيد هاشم، شاهداً على حيوية المدينة رغم الركام، وعمّقت صورة غزة ليس كمدينة محاصرة تواجه أبشع إبادة في العصر الحديث بل كرمز لمقاومة لا تهدأ.
غزة.. المكان والسكان
تقع غزة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، بمساحة تبلغ 56 كم² تقريباً، وعلى بعد 78 كم جنوب القدس. مناخها متوسطي دافئ، لكنه يتأثر برياح الصحراء أحياناً.
لعقود طويلة بقيت غزة مركزاً اقتصادياً حيوياً، إذ مثلت جوهر الحكم الذاتي الفلسطيني بعد اتفاق أوسلوا، فاحتضنت الوزارات والمصانع والشركات، واشتهرت بزراعة القمح والشعير والزيتون والعنب والحمضيات والفراولة، وبصناعة الصابون والفخار والنسيج والجلود.
اليوم تُعد غزة أكثر مدن القطاع اكتظاظاً، إذ يقدر عدد سكانها بنحو 694 ألف نسمة (2024). وتتشكل من أحياء بارزة مثل الشجاعية، الرمال، التفاح، الزيتون، الدرج، الصبرة، والشيخ رضوان، والنصر، وتل الهوا. هذه الأحياء لم تكن مجرد تقسيمات عمرانية، بل مساحات للمقاومة والصمود، كما تحولت الشجاعية في الانتفاضة الأولى إلى ساحة مواجهة دامية أرهبت الاحتلال.
هذا التاريخ التراكمي جعلها هدفاً خاصاً في المخيال الإسرائيلي، حتى أن إسحاق رابين تمنى يوماً أن “يستيقظ ليجد البحر قد ابتلعها”. لكن البحر لم يبتلع غزة، بل بقيت كما وصفها عارف العارف: صخرة صلبة، عصية على الذوبان، ومفتاحاً لفهم الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
(المركز الفلسطيني للإعلام)