أميركا بين منطق الصفقة وخيار الحرب

2026-01-31 / 11:13

Post image

بقلم : فادي البرغوثي 

ينشغل العالم، في هذه الأيام، بسؤال واحد يتكرّر بأشكال متعددة هل تقترب الحرب؟ هل تتجه الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران؟ أم أننا أمام جولة جديدة من التصعيد المحسوب، والضغط المتدرّج، بلا أفق حاسم ولا قرار نهائي؟

غير أن هذا السؤال، على أهميته، لا يمكن مقاربته من زاوية عسكرية مباشرة، ولا من خلال تعداد السيناريوهات التقنية للحرب، بل عبر تفكيك العقل السياسي الذي يدير القرار الأميركي اليوم، عقل لا يتمثل بشخص دونالد ترامب فحسب، بل يعبّر عن مرحلة كاملة من التحول البنيوي في طبيعة الإمبراطورية الأميركية وسلوكها في العالم.

ترامب لا يفكّر كسياسي تقليدي، ولا كإمبراطوري كلاسيكي، بل كرجل صفقات. العالم، في منظوره، ليس شبكة توازنات، ولا تاريخًا متراكبًا، ولا شعوبًا ذات ذاكرة وهوية، بل دفتر حسابات مفتوح، تحكمه معادلة ربح كامل أو خسارة كاملة. وهنا تكمن خطورة هذا المنطق، وعدميته في آن واحد.

فالسياسة، لا تُدار بمنطق المكسب الكلي  ومن يسعى إلى ربح كل شيء، في السياسة، إنما يضع نفسه على حافة خسارة كل شيء.

من هذا المنطلق، يمكن فهم قرار ترامب إلغاء الاتفاق النووي الذي أُنجز في عهد أوباما. ذلك الاتفاق لم يكن تعبيرًا عن تساهل أميركي، ولا عن حسن نية تجاه إيران، بل عن إدراك عميق بأن إيران ليست دولة قابلة للكسر بالعقوبات وحدها، ولا بالتهديد العسكري، وأن إدماجها المشروط في النظام الدولي أقل كلفة، وأقل خطورة، من مواجهتها المفتوحة.

الاتفاق النووي قام على منطق تسوية متبادلة تمثل بان يكون لا غالب ولا مغلوب، بل توازن مصالح وحدود أمان. أما ترامب، فاعتقد أن سياسة الضغط الأقصى ستفضي  إلى تنازل أقصى. لكنه تجاهل حقيقة أساسية في علم الصراع السياسي: الدولة التي تشعر بأن التنازل يعني نهايتها، لن تتنازل، مهما اشتد الضغط.

إيران تقرأ التاريخ جيدًا. تقرأ ما جرى في العراق، لا بوصفه حدثًا عابرًا، بل كدرس استراتيجي. النظام الذي فكك قدراته، وفتح منشآته، وسلّم أوراقه، لم يُكافأ بالأمن ولا بالاستقرار، بل بالاحتلال والانهيار. ومن هنا، فإن أي صفقة يُراد لها أن تكون مكسبًا كليًا للولايات المتحدة تعني، بالضرورة، خسارة وجودية لإيران، وهو ما يجعلها صفقة مستحيلة من حيث الجوهر.

أما الحرب، التي يُلوَّح بها إعلاميًا وسياسيًا، فهي أبعد ما تكون عن خيار سهل أو مضمون. إسقاط النظام الإيراني ليس ضربة جوية خاطفة، ولا تكرارًا لنموذج العراق أو أفغانستان. إيران ليست دولة قائمة على قوة عسكرية تقليدية فقط، بل منظومة مركبة من القدرات العسكرية، والنفوذ الإقليمي، والعمق الاجتماعي، والقدرة العالية على امتصاص الصدمات وإعادة التكيّف.

الحرب على إيران، إن وقعت، لن تكون قصيرة، ولن تكون بلا أثمان استراتيجية كبرى. والمفارقة أن الولايات المتحدة نفسها تدرك ذلك، وتدرك أنها ستكون حرب طويلة، في لحظة تعاني فيها الإمبراطورية من تآكل داخلي، وانقسام سياسي حاد، وتراجع نسبي في قدرتها على فرض الهيمنة الشاملة.

ثم إن إيران ليست معزولة في الفراغ. ففي خلفية المشهد يقف متغير دولي جديد، تمثله الصين وروسيا، لا بدافع أيديولوجي، بل بدافع مصلحي واضح، عنوانه منع الولايات المتحدة من إعادة إنتاج نظام الهيمنة الأحادية. في هذا السياق، لا تبدو الحرب على إيران حربًا إقليمية محدودة، بل حلقة ضمن صراع دولي أوسع على شكل النظام العالمي القادم.

هكذا تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة بين خيارين مأزومين: صفقة مستحيلة لأنها تطلب من إيران أن تنتحر سياسيًا، وحرب غير مضمونة لأنها قد تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها.

ومن هنا، يمكن فهم الضجيج العالي حول الحرب بوصفه تعبيرًا عن مأزق القوة لا عن فائضها. فالإمبراطوريات، في لحظات التراجع، تميل إلى رفع الصوت أكثر مما تميل إلى الحسم، وتهدد أكثر مما تُقدِم.

إيران قد تُحاصَر، وقد تُستنزف، وقد تُستهدف، لكن كسرها الكامل ليس قرارًا تقنيًا، ولا نتيجة مضمونة. أما ترامب، بعقليته التجارية، فيكتشف مرة أخرى أن العالم ليس شركة، وأن الشعوب ليست بنودًا في عقد، وأن منطق الصفقة، حين يُطبّق على السياسة والتاريخ، قد يقود إلى خسارة استراتيجية لا إلى ربح سريع.