ما بعد توصيف الخطر ... إلى متى نؤجل الفعل الفلسطيني؟

2026-02-09 / 07:01

Post image

بقلم فادي البرغوثي 

لم تعد قرارات حكومة الاحتلال الأخيرة بشأن إدارة وتسجيل الأراضي في الضفة الغربية مجرد خطوات إدارية أو تعديلات قانونية، بل تمثل انتقالًا صريحًا ومدروسًا نحو استكمال مشروع الضمّ الشامل، وتفريغ ما تبقى من اتفاقيات أوسلو، وعلى رأسها ما يُسمّى بالسيطرة الفلسطينية على المناطق (أ).

غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في مضمون هذه القرارات، ولا في توقيتها الذي يسبق زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة، ولا حتى في رعايتها من أكثر أركان الحكومة الإسرائيلية تطرفًا، مثل سموتريتش وكاتس، بل في أن الردّ الفلسطيني ما زال محصورًا، حتى اللحظة، في دائرة التوصيف والاستنكار، وكأن المطلوب هو تسجيل موقف أخلاقي لا بناء مواجهة سياسية وطنية.

لقد تجاوز الاحتلال منذ سنوات منطق «خرق الاتفاقات» إلى منطق دفنها نهائيًا، لا نظريًا بل ميدانيًا وقانونيًا. رفع السرية عن سجلات ملكية الأراضي، إلغاء القيود على بيعها، تمكين المستعمر من الشراء المباشر، ونقل صلاحيات الترخيص والهدم حتى في قلب المناطق (أ)، كل ذلك يعني أن الاحتلال لم يعد يعترف بأي معنى لسلطة فلسطينية، ولا بأي شراكة سياسية، بل يتعامل مع الأرض باعتبارها مجالًا سياديًا خالصًا له.

في المقابل، فإن الإصرار الفلسطيني على الاكتفاء بإعادة توصيف الخطر، أو اجترار خطاب الشكوى إلى المجتمع الدولي، لم يعد مجرد عجز، بل صار مساهمة غير مباشرة في إتاحة الزمن اللازم للاحتلال كي ينجز مخططه.

المطلوب فلسطينيًا اليوم ليس مزيدًا من البلاغة السياسية، ولا بيانات إدانة مصاغة بعناية لغوية، بل قرار سياسي وطني يعترف بأننا دخلنا مرحلة جديدة، وأن أدوات المرحلة السابقة لم تعد صالحة. فالاحتلال انتقل إلى الضمّ الفعلي، ومن يواجه الضمّ لا يمكنه أن يفعل ذلك بعقلية إدارة حكم ذاتي محدود.

إن الحد الأدنى من الردّ الفلسطيني يبدأ بـ وحدة وطنية حقيقية، لا شكلية ولا إعلامية، وحدة تُبنى على برنامج سياسي واضح تحدد شكل المواجهة؟ و سقفها؟ وأدواتها؟ وحدة لا تُختزل في اجتماع، بل تُترجم في قرار موحّد بشأن العلاقة مع الاحتلال، ومع الاتفاقات التي بات هو نفسه ينقضها علنًا.

لقد أثبت التاريخ الفلسطيني، كما تاريخ حركات التحرر، أن الاحتلال لا يتراجع أمام احتجاج أخلاقي، بل أمام كلفة سياسية ووطنية موحدة. أما الانقسام، فهو الهدية الأثمن التي تُقدَّم لمشاريع الضمّ، لأنه يسمح للاحتلال بأن يُنفّذ خططه في ظل غياب إرادة فلسطينية جامعة.

إن أخطر ما في المرحلة ليس فقط ما يفعله الاحتلال، بل أن نستمر في التعامل مع أفعاله كأنها مفاجآت، لا كجزء من مشروع استعماري واضح المعالم. فالخطر القادم لن يُواجَه بلغة التحذير، بل بلغة القرار، ولن يُوقفه توصيف دقيق، بل برنامج وطني موحّد يعيد الاعتبار لمعنى النضال، ولمفهوم الشراكة، ولمسؤولية من يملكون القرار.