خالد منصور.. دينمو المسيرات ومايسترو هتافات المقاومة..
2026-02-21 / 19:16
(أرشيف)
نافذة- لا يكاد يغيب عن مسيرة شعبية أو إعتصام في أرجاء الضفة الغربية وعلى وجه الخصوص نابلس وريفها. يرتدي الكوفية الفلسطينية وتصدح حنجرته بهتافات تجلجل المكان، بينما ينسل بهدوء من قلب الفعالية ليعطي تصريحاً لوسائل الاعلام التي تحوطه ويعود كلمح البصر . خالد منصور (أبو ساري) ولد عام 1958 في مخيم الفارعة شرقي نابلس وعلى شفا الاغوار لأسرة من عشيرة صُبُح من أم الزينات المدمرة، وهي قرية فلسطينيّة مهجرة تقع على السفح الجنوبي لجبل الكرمل، وعلى بعد حوالي 20 كم إلى الجنوب الشرقي من مدينة حيفا المحتلة .
بدأ منصور حياته متأثراً بسيرة والده العضو في المجلس الوطني الفلسطيني لمرتين ونقابي بارز، وكانت أول هتافاته في ستينيات القرن الماضي على بوابات مخيم الفارعة عندما هتف لأحمد الشقيري زعيم منظمة التحرير وقتها، قبل ان يلتحق بالدراسة الثانوية في مدينة نابلس ومظاهرات الطلبة لينال الثانوية العامة ومنها للدراسة الجانعية في جامعات الجزائر التي تحرخ منها منتصف السبعينات في تخصص العلوم الطبيعية (بيولوجيا) . حُرِمَ منصور من الالتحاق بالوظيفة التي تتحكم بها سلطات الاحتلال التي كانت تلاحقه واعتقلته إحترازيا لمرات عدة ، في الوقت الذي نشأ فيه ببيت قبالة سجن الفارعة الشهير كمركز لجيش الاحتلال وخط دفاع ثان في مواجهة خلايا الفدائيين عبر نهر الاردن قبل ان يغلق ويعاد إفتتاحه مع إندلاع شرارة انتفاضة الحجارة الشعبية أواخر العام 1978.
يعتبر ابو ساري (وهي كنيته المشهور بها) أحد اعمدة إغاثة الاسرى المفرج عنهم من سجن الفارعة بعد منتصف الليل، حيث يتم إيوائهم حتى صبيحة اليوم التالي وتوفير التواصل مع ذويهم في جغرافيا الضفة الغربية، وكان من العارفين بتاريخ السجن ودهاليزه وزنازينه وخيامه وإداراته المتعاقبة . انضم منصور إلى الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين وكان عضوا لهيئتها الادارية العليا وظل في إطارها لسنوات قبل ان يلتحق بالاغاثة الزراعية ليصبح مديرها في محافظة نابلس عام 2002، وتقاعد منها بعد سنوات من الكد والخدمة العامة والوطنية.
ويعيد الفضل في نظمه للهتافات والأشعار للاعلامي والمربي الراحل محمود عوض عباس لرعايته له أثناء الدراسة الثانوية. وكثيرا ما كانت وسائل الاعلام تزوره في مقر عمله بلحان الاغاثة الزراعية في نابلس، وعادة ما كان يحرص على مجموعة من قصاصات الورق التي يكتب عليها بخط اليد الهتافات التي تنتظر هذه او تلك من المسيرات التي شارك او سيشارك بها، فهذه تجدها تتحدث عن قضية واوضاع اللاجئين، وتلك حول الاسرى والجثامين، وثالثة حول مقاطعة بضائع الاحتلال، ورابعة حول ضبط الاسعار في الاسواق، وقائمة طويلة من العناوين المحلية والوطنية.
منصور عضو في المجلس المركزي الفلسطيني وهو هيئة وسيطة بين عضوية المجلس الوطني واللجنة التنفيذية، عن حزب الشعب الفلسطيني، ومسوؤل ملف اللاجئين في الحزب كقيادي فيه، ولم يكن منصبه القيادي الحزبي يحول او يمنعه من النزول للشارع والطواف على المحلات كي يشرح لهم مخاطر الإتجار ببضائع المستعمرات على الاقتصاد المحلي واهمية دورهم في مقاطعتها، وكيف ان ما يتحق من تلك المبيعات من ارباح تجنيها المستعمرات تتحول لرصاص في صدر الفلسطيني
كان الأول من اكتوبر 2021 يوماً قاسياً على منصور أثناء مشاركته في مسيرة ضد البؤرة الاستعمارية المقامة على تلال بيت دجن شرق نابلس، عندما أستهدف مباشرة بالرصاص الحي عن بعد نحو سبعة أمتار، لتصيب ساقه، حيث يقول بانها كانت متعمدة بعد تهديدات اطلقها ضباط الاحتلال له لوجوده في مقدمة المسيرة الاسبوعية ضد عمليات تهويد الاراضي وتلك البؤرة الاستعمارية تحديدا. تلك الإصابة أقعدته لعام كامل اضطر خلالها لاجراء 4 عمليات جراحية معقدة غاب خلالها عن المسيرات التي افتقدت هتافاته اللافتة المدوية التي تروي حكاية مقاومة الفلسطيني للاحتلال.
ويرى القيادي في الجبهة الديمقراطية والعضو البارز في لجان التنسيق الفصائلي بنابلس محمد الدويكات، ان منصور منح المسيرات حيوية وطنية عامة تميزت بالوحدوية وإتساع العناوين دونما إساءة لطرف فلسطيني، وكان يحرص على ان تتفق وغايات المسيرة، ما أضفى عليها رونقاً وجاذبية تنساب من إبداعه وإحترامه الذي حظي به في أوساط النخب والاعلاميين والمهتمين وعموم المواطنين.

واحدث غياب منصور عن المسيرة (وفق الدويكات) فراغاً، قياساً بالإطمئنان الذي كان يبثه من خلال مشاركاته، فالكل يكون مرتاح ولا خشية من خروج الفعالية عن مساراتها المعلنة والمنتظرة.
ويثني الاعلامي عاطف دغلس على مشاركات منصور ويقول بانه يتميز بكاريزما خاصة "جعلت من حضوره ثَراءً فاعلاً يحرك الجمود، وفقر المشاركات في كثير من الأحيان وهو ما كان عاملاً مُستفِزاً له ".
وبحسب دغلس الذي رصد مرات عديدة إنخراط منصور في حملات قطاف الزيتون التطوعية وحشد المتطوعين لها، فإن هتافاته التي ألهبت الجماهير، مثلت واحدة من مراحل التوثيق والتأريخ للقضية الوطنية العامة وعدالتها والدفاع عن مظلوميتها.
ويخلص دغلس للقول "علم فلسطين وكوفيتها ودفاتر الهتاف بين بدي منصور هي سلاحه كلما همَّ للتظاهر، يخطو وأمله أن تصير شعاراته يوماً إلى ما يريد، ويجمعها في كتاب أسماه سلفا /هتاف المقاومة/ لتظل جذوته متقدة".
ويعتبر منصور أحد أبرز قادة المقاومة الشعبية التي يرفض تسميتها بالسلمية وعمد لتوثيق بصمات حياته التي عاش تفاصيلها صراعاً مع الاحتلال في كتابه الأول "بين الغاز والرصاص أمضيت عمري" ينقل عبره تجربته المقاوِمة ، وتحكي مواجهته الاحتلال.
ويقول الإعلامي عماد سعادة في اشارة لمنصور ودوره انه "كان دائما في كافة الفعاليات هناك رجل يلفت الأنظار، يتقدمها، يقود ويخطب ويردد الشعارات التي يصيغها بنفسه ويرددها بصوته الجهوري وبنبرة يتوافق إيقاعها مع طبيعة المناسبة".
. ويضيف سعادة: "كان دائماً أول من يتواجد في الحدث وآخر من يغادره، وقد عرفته الميادين العامة، وحواجز الاحتلال، ومناطق التماس مع المستوطنين وجنود الاحتلال، ليس في محافظة نابلس فحسب، وانما على امتداد محافظات شمال الضفة، وكثيرا ما تعرض للإصابة بالرصاص او الضرب من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، ولكننا كنا نجده في اليوم التالي في قلب الاحداث".
وبحسب سعادة فقد تميزت الفعاليات التي يتواجد بها منصور بالزخم والعنفوان، فالرجل وحدوي لأقصى الحدود، وهو يجمع ولا يفرق، وشعاراته تعبر عن الحالة بدقة وعن هموم الشارع والعموم.