عن الحروب في الزمن الغلوبالي
2026-03-03 / 15:15
مرزوق الحلبي:
هي الحروب التي حصلت وتحصل منذ تداعي عالم القُطبين – الحرب الباردة – وتُشارك فيها محاور كاملة مؤلّفة من دول عدّة. تُستخدم فيها وسائل الإعلام والشبكات والشاشات سلاحًا فاعلًا في رسم صورة الحرب والانتصار والخسارة، صورة التجييش وتحريك القوّات وهزيمة الأعداء. وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في إنتاج صور المعارك والهجوم والقصف والصواريخ وما إلى ذلك من مشاهد الحروب وفظائعها. وهي الحروب التي غايتها تحقيق مكاسب اقتصاديّة بالأساس ضمن الصراع المفتوح على الموارد وخطوط الإمداد والملاحة والنقاط الاستراتيجيّة. وتتعدّى الغايات الاقتصاديّة في إطارها السيطرة على الموارد أو احتكارها إلى محاولة منع الخصوم من الاستفادة منها وقطع الإمدادات عنهم.
الحروب الغلوبالية تجري بغير أيّ التزام بالقانون الدولي أو المواثيق والمعاهدات المتّصلة بالمدنيّين في أوقات الحروب. وهي بذلك ترجمة حرفيّة لقوانين السوق الحرّة والعولمة كجملة سيرورات تحصل على حساب النظام الدولي القديم، وبضمنه القانون الدولي وجملة المعاهدات والمواثيق التي تمثّل كوابح أمام القوى المتنفّذة من الانقضاض على مواقع الموارد ولو كانت ضمن سيادة دول أخرى وحدودها. فاللعبة هي القوّة وقدرة الدول على استخدامها لتحقيق مصالح اقتصاديّة تتعدّى حدود الدولة نفسها. فالحروب السابقة خدمت مصالح وطنيّة، بينما الحروب الحالية تخدم مصالح غلوباليّة تتشارك فيها دول وشركات ومجمّعات صناعيّة وخدميّة ومعلوماتيّة عابرة للحدود. من هنا فإن الحروب الغلوباليّة، مثلها مثل العولمة نفسها، لا تطيق القيود أو التدخّلات الأمميّة فيما تفعل. كما أنها ليست بحاجة إلى مرجعيّة من مجلس الأمن الدولي كما كان في السابق. ولننتبه إلى التشابه بين رفض العولمة داخل الدولة الوطنيّة للتدخّلات الحكوميّة والقيود الحمائيّة داخل الدول، وبين رفض السيرورات الغلوباليّة الكوابحَ والقيودَ التي يفرضها القانون الدولي وكتاب المعاهدات الدوليّة، لا سيّما اتفاقيّات التجارة التي رأينا كيف يخرقها الرئيس الأميركي كلّ أسبوع ضد دولة أخرى!
يمكننا أن نؤرّخ لبداية هذه المرحلة من الحروب بالحرب على أفغانستان في العام 2001، التي استهدفت السيطرة على جغرافيا مهمّة وحيويّة بالنسبة للصين وروسيا. وقد أعقبتها الحرب الثانية على العراق التي استهدفت وضع اليد بشكل مباشر على ثروات هذا البلد وإخضاعه. ففي الحرب الأولى على العراق بعد غزو العراق للكويت يبرز الفارق بين حروب تقليديّة وحروب غلوباليّة. فقد كانت الحرب الأولى على العراق – بداية التسعينيات من القرن الفائت – حربًا تقليديّة تحتاج إلى تغطية أمميّة من مجلس الأمن وإلى شرعيّة دوليّة وإقليميّة كي تبدأ. كما أن غاياتها كانت محدّدة بتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، وهو ما حصل. وقولي هذا لا يمنع وجود أهداف أخرى غير معلنة من هذه الحرب، لكنها انتهت فعلًا بانسحاب الجيش العراقي من الكويت إلى داخل حدوده.
تندرج الحرب على إيران الآن ضمن الحروب الغلوباليّة – لا غاية لها سوى إخضاع الأنظمة والحكومات واحتكار موارد الدول والشعوب لقوى غلوباليّة، في رأسها أميركا ترامب وإسرائيل نتنياهو، ومعهما تحالفات لمجمّعات صناعيّة في مجالات السلاح والنفط وشبكات المعلومات والاتصالات والتجسّس. وهو إخضاع لا يتحقّق إلّا بإسقاط النظام الإيراني. وهو ما يأخذنا إلى سمة أخرى من سمات هذه الحروب، وهي محاولتها تقليل الكلفة وتعظيم النتائج عن طريق شراء أنظمة الحكم عبر تمويل مرشّحين وجولات انتخابيّة والتأثير فيها – كما في أميركا اللاتينيّة وأوروبا – أو تبديل رأس النظام في حال تعذّر ذلك من خلال آليّة الانتخابات، كما حصل في فنزويلا، أو بقتله – إيران. وليس هذا فحسب، بل هناك تعمّد في استعراض القوّة والجبروت والتكنولوجيا وتصويرها على أنها قدر محتوم لا مجال للهروب منه – إسرائيل وقضيّة أجهزة الاتصال في أيدي حزب الله ومناصريه – في إطار الابتزاز والضغط والإجبار. وهي سمة من سمات العلاقات الدوليّة في المرحلة الراهنة. يكفي أن نتتبّع سلسلة تصريحات الرئيس الأميركي ترامب في هذا الباب لندرك أن إدارة العالم انتقلت من أسلوب الدبلوماسيّة إلى أسلوب الجريمة المنظّمة السافر.
لست واثقًا من أن الأمر سيحصل في إيران. وإن حصل فسيستغرق وقتًا طويلًا.
(عرب 48)