هذه الحرب تؤكد أن الأقدار تهرول نحو بوتين

2026-03-07 / 23:16

Post image

بقلم: ليونيد راغوزين

صحفي مقيم في روسيا

أثارت الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المتواصلة على إيران، وما رافقها من اغتيال المرشد الأعلى، موجة من التوجس في أروقة موسكو؛ إذ ذهب معلقون روس من تيار "الصقور" إلى احتمال تعرض بلادهم لسيناريو مشابه رغم ترسانتها النووية الضخمة، مستشهدين بالتصريحات الغربية المتواترة حول صراع وشيك مع روسيا كبرهان على نوايا مبيتة.

وعلى الرغم من القلق الذي تبديه موسكو، فإنها تجد في استهداف إيران تزكية لإستراتيجيتها الجيوسياسية، وتبريرا غير مباشر لحربها في أوكرانيا؛ فالحدث في نظرها يكرس رؤية الكرملين الراسخة تجاه الغرب، بقيادة واشنطن، بوصفه فاعلا مارقا يفتقر إلى العقلانية.

وبالنسبة للرئيس فلاديمير بوتين، فإن الحرب على إيران تعيد إلى الأذهان أصداء أحداث عام 2011 في ليبيا، والتي صاغت بعمق تصوراته حيال المخاطر الوجودية؛ حين أفضى التدخل العسكري لحلف "الناتو" آنذاك إلى الإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي.

وكان هجوم الناتو، الذي مهد له الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف (حليف بوتين) عبر امتناع روسيا عن التصويت في مجلس الأمن، أحد الدوافع المحورية التي حسمت قرار بوتين بالعودة إلى سدة الرئاسة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2011، وبعد شهر من قبول بوتين الترشح لولاية جديدة، قُتل القذافي في مشهد عنيف، وجابت صور نهايته الآفاق عبر الفضاء الرقمي؛ تلك النهاية التي احتفى بها الغرب لم تورث ليبيا ديمقراطية ولا رغدا، بل أردتها صريعة حرب أهلية وتشرذم سياسي.

مثّل ذلك المشهد لبوتين نذيرا جليّا لما قد يؤول إليه مصيره الشخصي ومستقبل روسيا، إذا ما هادن حملات "الديمقراطية" النيوليبرالية التي يقودها غرب مغرور ومفرط في الثقة.

وفي ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته، اندلعت احتجاجات في موسكو ضد نزاهة الانتخابات التشريعية، مما شكل إنذارا أحمر آخر في حسابات الكرملين.

تريّث بوتين لأشهر قبل أن يقمع تلك الاحتجاجات بحزم قبيل تنصيبه في مايو/أيار 2012؛ مشكلا بذلك انعطافة في سياسة روسيا الداخلية والخارجية، أفضت لاحقا إلى تدخلها في اضطرابات "الميدان" بأوكرانيا بعد أقل من عامين.

واليوم، وهو يراقب تسارع الأحداث في إيران، يشعر بوتين بانتصار رؤيته حول "حتمية" تحركاته في أوكرانيا، ويثني على أسلافه السوفيات الذين شيدوا أضخم ترسانة نووية، كفلت لروسيا سيادة ناجزة وحصنت نظامه الشخصي من الاختراق.

ورغم شنّه حربا ضارية ضد أقرب جيرانه الأوروبيين، لا يزال بوتين يرى نفسه حارسا لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية المتهاوي، والذي يعزو انهياره- من وجهة نظره- إلى الغطرسة الأمريكية والتهور الغربي غير المنضبط.

وتضرب فكرة نقل المعركة إلى أرض العدو بجذورها في العقيدة السوفياتية الثلاثينية، وقد استحالت أوكرانيا وجورجيا "أرضا للعدو" منذ قرار الناتو عام 2007 فتح أبواب العضوية أمامهما؛ وهي عقيدة اختُبرت نجاعتها أولا في نزاع جورجيا الخاطف عام 2008.

لقد صنف الكرملين تحركاته في أوكرانيا عام 2014، ومن ثم غزو عام 2022، بوصفها "ضربات استباقية" لمنع تكرار سيناريوهات التدخل العسكري التي طالت العراق، وليبيا، وسوريا، وتواجهها إيران اليوم.

وبجعل أوكرانيا ساحة الصدام الفاصلة مع الغرب، استطاع الكرملين تحييد الغالبية العظمى من الشعب الروسي عن التبعات المباشرة للحرب، بعد أن نجح في تسويقها للمجتمع بوصفها "قدرا حتميا".

وقد انخرطت إيران في هذا الصراع كحليف مفاجئ رغم الإرث التاريخي الصعب بين البلدين، فقدمت تكنولوجيا المسيرات في وقت كان الغرب يراهن فيه على التفوق التقني لمسيرات "بيرقدار" التركية. ولم يكن هذا الدعم "هبة" مجانية، بل تقاضت طهران مقابله مليارات الدولارات التي أنعشت اقتصادها المتداعي.

ومع ذلك، تظل الروابط الروسية الإيرانية دون مستوى التدخل العسكري المباشر؛ فالكرملين يرتبط بميثاق "عدم اعتداء" غير رسمي مع "إسرائيل"، التي تمتنع عن تزويد أوكرانيا بأسلحة نوعية أو الانضمام للعقوبات ضد روسيا، بل وغدت ملاذا "للأوليغارشية" الروسية المرتبطة بها تاريخيا.

وثمة عامل آخر لحياد موسكو يتمثل في الموقف شبه المتوازن للرئيس دونالد ترمب تجاه الصراع الأوكراني وسعيه لإنهائه تفاوضيا؛ لذا لا ترغب موسكو في منح الأوروبيين ذريعة لتقويض علاقتها مع إدارة ترمب، أو إطالة أمد الحرب.

وحتى لو توفرت لموسكو رغبة صادقة في إسناد النظام الإيراني، فإن قدراتها العملية تظل محدودة؛ فالمساعدة الوحيدة الممكنة تكمن في التكنولوجيا العسكرية المطورة في أوكرانيا، وهو أمر قد ينسف علاقاتها بواشنطن وتل أبيب، في حين قد تعجز طهران عن سداد أثمانها.

ومن المفارقات أن التصعيد ضد إيران يخدم مصالح روسيا مرحليا؛ فقد أنعشت الحرب أسعار الطاقة، مما ضخ سيولة إضافية في الخزانة الروسية، وقد يحد من قدرة الاتحاد الأوروبي على الاستمرار في تمويل المجهود الحربي الأوكراني.

علاوة على ذلك، فإن استنزاف الترسانة الأمريكية في الشرق الأوسط، لا سيما صواريخ الدفاع الجوي، يقلص الموارد المتاحة لأوكرانيا، ويمنح موسكو أوراق ضغط أقوى في مسارات التفاوض مع كييف.

وداخليا، يستثمر بوتين مشاهد الدمار في إيران لتعزيز سرديته؛ فالحرب التي يسوقها الغرب كمدخل للحرية لن تزيد الروس إلا تمسكا بعقلية "القلعة المحاصرة"، وترسيخا لصورة بوتين بوصفه "الحامي الضرورة" للأمة، وإن كان حاميا متسلطا.

 

المصدر: الجزيرة