فجر طمون: عائلة تبحث عن الفرحة فتواجه الموت

2026-03-15 / 13:09

Post image

نافذة- في فجر طمون، كانت سيارة صغيرة تتحرك ببطء في الأزقة الضيقة. علي بني عودة يقودها، يركز على الطريق المبلل بالندى، فيما تجلس زوجته وعد إلى جانبه، تتفقد الأطفال في المقعد الخلفي. لم يكن هناك شيء غير عادي في هذا الفجر سوى الرغبة البسيطة بأن يبدأ اليوم بهدوء، وأن تمرّ العائلة ببضع ساعات قبل أن يملأها صوت الحياة المعتاد في القرية.

الأطفال، محمد وعثمان ومصطفى وخالد، لم يكونوا قد أدركوا بعد أن العالم يمكن أن يكون مكانًا خطيرًا الى هذا الحد من البشاعة.. كانوا يضحكون، يتبادلون الأحاديث الصغيرة، يسألون أمهم عن الخبز، وعن الملابس الجديدة للعيد، زعن الفرحة التي يمكن أن تصنعها لحظة بسيطة من الاهتمام أو لعبة صغيرة في الطريق.. الفرحة كانت كل ما يعرفونه عن الحياة، والأب والأم كانا يحاولان أن يمنحوها لهم بقدر ما يستطيعان.

ربما كان علي يفكر في طريقة ترتيب المنزل قبل العيد،  مثل شراء بعض الحلوى للأطفال، وفي أن تعد زوجته وجبة صباحية بسيطة، بينما كانت وعد تفكر في تنظيف البيت، وترتيب الثياب، كي تجعل صباح العيد مختلفًا للأطفال، مليئًا بالضحك وبسمة واحدة على الأقل على وجوههم. كان كل شيء عاديًا كما ينبغي أن يكون في أي قرية فلسطينية: الحياة تستمر، والأحلام الصغيرة للأب والأم والأطفال حقيقية، قريبة، قابلة للتحقيق.

لكن الفرحة، في ذلك اليوم، صارت جرمًا. لم يمرّ الطريق بسلام. فجأة، اختفى الهدوء والأمان، وحلّت مكانهما وحوش بشرية بلا وجوه.. جنود الاحتلال الاسرائيلي تسللوا إلى الأزقة، صامتين، عيونهم مركزة على كل ما يتحرك، أذرعهم ممدودة لإلحاق الموت. لم يكن لديهم أي سبب، ولم يكن هناك هدف إلا عائلة تحاول أن تعيش لحظتها البسيطة، أن تحتفل بعيدها الصغير في قرية هادئة.

الرصاص انطلق بلا رحمة. اخترق الزجاج، اخترق الحديد، اخترق اللحظات، واخترق كل شيء يمكن أن يسمّى برعاية أو حماية أو حياة. أصوات الصراخ لم تعد كلمات، بل صدى الخوف المحشو بالدم. علي حاول السيطرة على السيارة، حاول أن يحمي زوجته وأطفاله، لكن الرصاص لم يترك له فرصة. وعد حاولت احتضان الأطفال، أن تمنحهم شعورًا بالأمان في تلك اللحظة، لكنها لم تستطع فعل أي شيء أمام وحشية لا تعرف حدودًا.

استشهد الأب والأم، وطفلاهما محمد وعثمان، بينما بقي الطفلان الآخران مصطفى وخالد على قيد الحياة، ولكن وجهاهما الصغيران حرقا بشظايا الرصاص... كان الدم يكتب على أجسادهم ما لم يكن ينبغي أن يُكتب ... شهادة على وحشية لم يعرفاها من قبل.. لحظة اختصرت حياة أربعة أحبة في ثوانٍ معدودة.

حتى طواقم الإسعاف مُنعت من الاقتراب. لا أحد يستطيع أن يلمسهم، لا أحد استطاع أن يمد يد العون لهم. تركوا الشهداء والجرحى على الأرض، وسط الدم والصمت والبرد، وكأن العالم قرر أن يغلق عينيه. كأن الإنسانية استسلمت أمام وحشية الاحتلال التي لا تعرف حدودًا، أمام قوة يمكن أن تمحو حياة عائلة كاملة في لحظة واحدة، وتغادر المكان دون أن تلتفت لصراخ الأطفال، ودون أن تشعر بما فعلته.

أي دولة هذه التي تتغذى على الإجرام؟ أي جنود هؤلاء الذين يقتلون عائلة ليس لها ذنب سوى أنها أرادت أن تفرح في العيد؟ هل أصبح الفرح إرهابًا في نظرهم؟ هل أصبحت ضحكات الأطفال تهديدًا لخامس اقوى قوة بالعالم؟

العائلة، التي كان كل أفرادها يحلمون ببداية يوم عادي، أصبحت رمزًا للقتل بلا سبب، للوحشية المطلقة، ولانعدام الرحمة. لم يبقَ أمام الأطفال سوى صمت مخيف، ووجوههم الصغيرة تحمل آثار الرصاص، وذاكرة لم تعرف شيئًا سوى الرعب. مصطفى وخالد سيكبران، وسيعرفان منذ اللحظة الأولى أن الحياة ليست آمنة، وأن الأطفال يمكن أن يُقتلوا قبل أن يعرفوا معنى اللعب أو الضحك.

ولم تتوقف الجريمة عند السيارة. بعد ذلك، اقتحمت قوات الاحتلال بيوت القرية، واعتقلت محمود بني عودة ونجله حسن، والطفل يمان حسام بني عودة. كل اعتقال صرخة جديدة، كل باب يُفتح بالقوة دليل على وحشية لا تنتهي. كل اقتحام يترك أثره على بقية أفراد القرية، على كل طفل يعرف أن البيت الذي يفترض أن يكون مأمناً يمكن أن يتحول فجأة إلى فخ للموت.

في طمون اليوم، الحداد ليس إعلانًا على الجدران، بل هو صمت الأزقة والحزن، هو البيوت المغلقة على نفسها، هو وجوه الأطفال الذين لم يتجاوزوا الخامسة والسابعة، وهم يحاولون أن يفهموا لماذا اختفى الأب والأم، لماذا لم يعد لهم أحد يحميهم، ولماذا الوحوش كانت موجودة. الحداد هو الفراغ الذي تركته عائلة كاملة خلفها، هو السؤال الذي لا جواب له اذ كيف يمكن لعائلة تحاول فقط أن تفرح في العيد أن تصبح هدفًا للموت؟

وفي كل زاوية، في كل بيت، ستبقى هذه الحادثة محفورة في الذاكرة. سيظل صوت الرصاص في فجر طمون يتردد، وصدى الصراخ والوجوه الصغيرة يحمل في طياته كل سؤال عن العدالة والرحمة والإنسانية.