اسطول الحرية ... المنجل العالق في الحلق

2025-09-25 / 16:41

Post image

بقلم :- فادي البرغوثي

تشبه معضلة إسرائيل اليوم حالة من يبتلع منجلًا، فلا هو قادر على إخراجه دون نزيف، ولا هو قادر على ابتلاعه دون موت. هذه هي صورة الاحتلال أمام أسطول الحرية القادم إلى غزة، خصوصًا مع إعلان إسبانيا عن إرسال سفينة حربية لحماية القافلة، في خطوة غير اعتيادية تحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة.
إسرائيل، منذ سنوات الحصار على غزة، بنت استراتيجيتها على مبدأ التطبيع التدريجي مع الجريمة فاستخدمت تجويع مليونين ونصف المليون إنسان، وتحويل القطاع إلى سجن مفتوح، معتمدة على أن العالم سيعتاد على هذا الواقع. لكن أسطول الحرية، ومعه مبادرة دولة أوروبية بحماية عسكرية، يعيد تذكير العالم أن القضية ليست شأنًا داخليًا، بل جرحًا مفتوحًا في القانون الدولي والضمير الإنساني.
المفارقة أن إسرائيل أمام خيارين كلاهما مُرّ:
الخيار الأول: اعتراض الأسطول بالقوة. وهذا يعني مواجهة مباشرة مع سفن أوروبية، قد تتحول إلى صدام عسكري غير محسوب. الاشتباك هذه المرة لن يُختصر في مجزرة جديدة بحق متضامنين مدنيين كما حصل عام 2010، بل قد يفتح بابًا لتداعيات أوسع على مستوى أوروبا وحلف الناتو، ويُخرج إسرائيل من دائرة "الاستثناء" الذي حظيت به لعقود.
الخيار الثاني: السماح للأسطول بالوصول إلى غزة. وهذا يفتح ثغرة كبيرة في جدار الحصار، ليس من الناحية المادية فقط، بل من ناحية رمزية: إذ يصبح العالم أمام مشهد حيّ يفضح أن الحصار ليس إلا أداة تجويع وتعذيب جماعي، وأن رفعه ممكن إذا قررت الإرادة الدولية ذلك.
المنجل إذن عالق في حلق الاحتلال فإن قاوم ابتلاعه بالقوة، نزف دبلوماسيًا وعسكريًا ... وإن تركه في مكانه، ظل شاهدًا على الجريمة التي يحاول إخفاءها.
الأبعاد الفكرية لهذه الأزمة تكمن في أنها تُعيد تعريف الصراع من جديد خاصة الأمر لم يعد مجرد مواجهة بين "دولة" و"تنظيم مسلح"، كما تحاول إسرائيل أن تروّج، بل صراع بين مشروع حصار استعماري وبين الضمير الإنساني العالمي.
أسطول الحرية بهذا المعنى ليس مجرد قافلة بحرية، بل هو مرآة تكشف هشاشة الرواية الإسرائيلية. فإذا احتاجت إسرائيل إلى جيوش وسفن حربية لمواجهة بضع سفن إنسانية، فما الذي تقوله عن نفسها أمام العالم؟ وأي دولة طبيعية تخشى من "مساعدات طبية وغذائية"؟ فالخطر الأكبر على إسرائيل ليس في الاشتباك العسكري بحد ذاته، بل في تداعياته: مما يمكن أن يفتح نقاش أوروبي حول العلاقة مع إسرائيل خارج منطق الحماية الأمريكية.
بالاضافة تزايد قناعة الشعوب بأن الاحتلال مشروع استعماري لا يملك إلا القوة العارية.
هنا الأسطول، إذن، يضع إسرائيل في مواجهة مع أزمتها الوجودية وسؤال جديد لم تواجهه من عام ١٩٤٨ يكمن هل يمكن لدولة أن تستمر في احتلالها إن لم يعد العالم يصدّق مبرراتها؟