حمّى الذهب.. إلى أين؟

2025-10-14 / 20:38

Post image

رام الله- في مشهد بات يتكرر حول العالم، أُغلقت أبواب متجر "نيهون ماتيريال" في طوكيو بعد ساعة واحدة فقط من افتتاحه، إذ نُفدت الكمية اليومية من الذهب وسط طوابير من المشترين. من بينهم كينجي أونوكي، مهندس أربعيني، تمكّن من اقتناء أول سبيكة له رغم اضطراره لانتظار شهرٍ كامل لتسلمها. قال وهو يبتسم: "أردت شيئًا حقيقيًا.. شيئًا يمكنني الإمساك به بيدي."

ما بدأ كلقطة فردية في اليابان سرعان ما تحول إلى مشهد عالمي، عنوانه: حمّى الذهب الكبرى. من آسيا إلى أميركا، مرورًا بأوروبا، يتسابق الجميع — أفرادًا ومؤسسات — على شراء الذهب، في ما يشبه عودة لواحد من أقدم الملاذات المالية في التاريخ، وسط عالم يزداد فيه التداخل بين القلق السياسي، والاضطراب الاقتصادي، وتذبذب الثقة.

صعود غير مسبوق للمعدن الأصفر

الطلب على الذهب تجاوز التوقعات، مع تدفّق أكثر من 26 مليار دولار إلى صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب في الربع الثالث فقط — رقم قياسي في التاريخ الحديث.

هذا الاندفاع أدى إلى ارتفاع سعر الذهب بأكثر من 50% منذ بداية العام، متجاوزًا 4,000 دولار للأونصة، في أعلى مستوى تاريخي منذ طفرة عام 1979. لكنّ المراقبين يشيرون إلى أن العوامل التقليدية كالفائدة والتضخم لم تعد كافية لتفسير هذا الصعود. إنما الدافع الأكبر، بحسب المحللين، هو: الخوف من انهيار مالي شامل.

اليابان.. من الادخار الورقي إلى الذهب

في اليابان، حيث عاش السكان عقودًا في ظل انكماش اقتصادي مزمن، شكّل تجاوز سعر الغرام حاجز 20 ألف ين تحوّلًا نفسيًا عميقًا. العائلات اليابانية بدأت تتحول من الادخار بالين إلى اكتناز الذهب، في محاولة لحماية ثرواتها من التآكل بفعل التضخم وضعف العملة.

كما يوضح بروس إيكيمازو من جمعية سوق الذهب اليابانية: "الناس تغيّر سلوكهم تمامًا. التضخم والين الضعيف جعلا الذهب الخيار الأكثر واقعية."

الذهب يعيد تشكيل النظام المالي العالمي

على مستوى السياسات الكبرى، تقود البنوك المركزية في الدول النامية موجة من التحوّل الإستراتيجي، إذ عمدت منذ 2022 إلى شراء كميات قياسية من الذهب، لتقليص اعتمادها على الدولار.

النتيجة؟ الذهب أصبح يشكّل 24% من احتياطيات البنوك المركزية عالميًا، متجاوزًا لأول مرة قيمة السندات الأميركية المحتفظ بها خارج الولايات المتحدة. البعض يرى في هذا التحول عودة رمزية إلى نظام ما قبل هيمنة الدولار.

الاضطرابات السياسية تزيد البريق

في الولايات المتحدة، ازدادت الضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي، خاصة مع تدخلات الرئيس دونالد ترامب، الذي دعا علنًا إلى خفض الفائدة في ظل تضخّم الدين العام الأميركي. هذه الضغوط زادت من زعزعة ثقة الأسواق، وساهمت في تسارع ارتفاع أسعار الذهب.

كل ذلك يعزز ما وصفته فايننشال تايمز بأنه "رهان على الخوف"، إذ بات المستثمرون الأفراد والمؤسسات يشترون الذهب بدافع نفسي أكثر منه تحليلًا ماليًا.

فقاعة أم واقع جديد؟

رغم الطفرة، لا تخلو الصورة من علامات تحذير. فبحسب بيانات بنك أوف أميركا، تجاوز الذهب متوسطه المتحرك طويل الأجل بنسب تاريخية، مما يُنذر بإمكانية تصحيح كبير قد يصل إلى 30%.

ومع ذلك، يرى كثيرون أن ما نشهده اليوم مختلف عن الطفرات السابقة. فالعالم يواجه مزيجًا غير مسبوق من الديون، والاضطرابات الجيوسياسية، وتآكل الثقة بالأنظمة النقدية التقليدية.

الذهب.. مرآة القلق العالمي

من بريطانيا إلى تركيا، ومن هونغ كونغ إلى أميركا اللاتينية، يتفاوت السلوك من الشراء المحموم إلى البيع لجني الأرباح. لكن المشترك الوحيد هو الشعور بأن المال الورقي لم يعد كافيًا وحده.

كما يصف أحد المحللين: "الذهب لا يدر دخلًا، لكنه أصبح مرآة لقلق العالم. وكلما زاد القلق، ازداد بريقه."

الخلاصة: إلى أين تتجه الحمى؟

حمّى الذهب اليوم ليست مجرد صعود في الأسعار، بل تعبير عميق عن أزمة ثقة شاملة — في العملات، في البنوك، وفي الاستقرار السياسي. فهل يواصل الذهب صعوده في ظل عالم قلق، أم نشهد تصحيحًا يعيد التوازن؟

ربما الجواب الأقرب هو: طالما بقي الخوف حاضرًا، سيظل الذهب هو الملاذ الأخير.