السكلانص والابتذال في لباس المعارضة
2026-01-09 / 19:29
فادي البرغوثي :
ظهر المدعو «السكلانص» في مقر قناة I24 News، برفقة صحفيين إسرائيليين متطرفين، على أنه معارض شرس للرئيس محمود عباس وضد التطبيع، لكنه انكشف على حقيقته: رجل مطبع، له علاقة بالاحتلال، واستخدامه للغة السوق والسبّ كان جزءًا من مخطط مزدوج يضرب المعارضة الفلسطينية ويطعن في السلطة في الوقت ذاته.
لقد اشتهر «السكلانص» بمقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، يسبّ فيها المسؤولين الفلسطينيين والعرب بلغة سوقية، خادشة للحياء، بلا أي مضمون سياسي أو رؤية وطنية واضحة. ومع ذلك، قبل البعض، في لحظة غضب ويأس، أن يقدموه بوصفه صوتًا معارضًا، متجاهلين أن الشتائم والصراخ لا يمكن أن تكون بديلًا عن موقف سياسي. وهنا تكمن الخطورة الكبرى لهذا النموذج الذي يراد منه افراغ معنى المعارضة، وتحوّيلها إلى عرض مبتذل، بلا برنامج أو رؤية أو هدف وطني.
المعارضة الفلسطينية، وبعض النظر عن الاختلاف او الاتفاق معها لم تنزلق إلى هذا المستوى من السبّ أو اللغة السوقية. حافظت على وضوح الرؤية والبرنامج الوطني، وفصلت النقد الموضوعي عن الهجوم الشخصي والابتذال. هذا الالتزام بالخط الوطني، والصرامة الأخلاقية، يجعلها معارضة حقيقية، وليست مجرد مادة استهلاكية تسيء للوعي الشعبي.
إن ما فعله «السكلانص» يخدم الاحتلال، فالاحتلال يخشى معارضة واعية، منظمة، تمتلك برنامجًا تحرريًا واضحًا، لكنه يرحب بمعارضة مبتذلة، صاخبة، بلا مضمون، تُفرغ الغضب الشعبي من محتواه، وتشوه معنى الاختلاف السياسي، وتحوّل النقد الوطني إلى مادة استهلاكية بلا أفق.
مع مرور الوقت، بدأ الناس يبتعدون عن محتواه ويتساءلون عن جدواه، وعن غياب أي موقف حقيقي تجاه القضايا الكبرى من الاحتلال، الاستيطان، القدس، الأسرى، المقاومة. ثم جاء ظهوره في الإعلام الإسرائيلي ليكشف الحقيقة بأن ظهورة بالشكل المعروف عبارة عن مخطط لا يضرب السلطة بعينها فحسب، بل يسعى لتقويض معنى المعارضة نفسها، وكأن الرسالة تقول «انظروا، هذه هي المعارضة الفلسطينية شتائم، ابتذال». وهذا تزوير للتاريخ والواقع معًا، وهجوم على إرث طويل من المعارضة، التي ظلت متمسكه بمباديء الاختلاف الديمقراطي والخط الوطني.
هنا تكمن المسؤولية الوطنية بأن نكون يقظين وحذرين من هذا النوع من المعارضة، الذي لا يكتفي باختزال النقد في السبّ والابتذال، بل يحوّل السياسة إلى مسرح للفظاظة، ويشوّه معنى الاختلاف الوطني في الوقت نفسه. وبالتالي، يصبح الفصل بين النقد البناء والمعارضة الحقيقية، وبين الابتذال والخدمة المباشرة لرواية العدو، أمرًا وطنيًا وأخلاقيًا لا يمكن التراجع عنه.