متّحدون ومختلفون في تل أبيب!
2026-02-02 / 16:20
سهيل كيوان:
لم تكن المظاهرة الحاشدة التي شهدتها تل أبيب، مساء السبت، ضد العنف والجريمة حدثًا احتجاجيًا عابرًا، بل بدت لحظة كاشفة في مسار المواجهة مع سياسة رسمية بات واضحًا أنها تغذّي العنف في المجتمع العربي وتوظّفه سياسيًا.
اللافت في هذه المظاهرة لم يكن العدد الكبير وحده، بل طبيعة الحضور. فالمشاركة اليهودية الواسعة، القادمة من قوى ديمقراطية ومدنية، حملت رسالة سياسية واضحة، هي رغبة هذه القوى للقول بأنها تقف إلى جانب الجماهير العربية في نضالها ضد الجريمة، وأن هناك شريحة واسعة من اليهود الديموقراطيين تقف إلى جانبهم، ومستعدة للتعاون معهم لإسقاط حكومة يمين اليمين الفاشية.
لم تكن المظاهرة لحظة انسجام ساذج أو وحدة مصطنعة. على العكس، قامت على اعتراف صريح بالاختلاف. اختلاف في تعريف وفهم الصراع، وفي السقف السياسي لهذه القوى المختلفة. الاختلاف هنا لا يقتصر على العلاقة بين العرب واليهود، بل يشمل أيضًا التباينات داخل كل معسكر منها، العربي-العربي، اليهودي-اليهودي.
هذا التعدّد في المواقف والوحدة في الهدف الآني، منح المظاهرة زخمها، إذ التقى متحدثون يختلفون في قضايا جوهرية، لكنهم أجمعوا على نقطة واحدة: تحميل حكومة نتنياهو-بن غفير الفاشية المسؤولية عن جرائم القتل والخاوة في المجتمع العربي.
العرب الذين خرجوا إلى التظاهر باتوا يدركون أن ترك الشارع والانزواء في البيوت لا يعني حماية لهم، بل يعني ترك حياتهم وحياة أبنائهم رهينة لسلاح الجريمة والعصابات، وهذا يصل إلى "أحسن العائلات"، فالعنف صار يحصد عابري السبيل أو حتى الجالسين في بيوتهم.
في المقابل، جاء كثير من اليهود بدافع الحرص على ما تبقّى من طابع مدني للدولة، ورفضًا لتحويل الشرطة إلى أداة قمع سياسي، وقلقًا من صعود فاشية باتت أكثر وقاحة في خطابها وممارساتها ضد كل من يعارضها من القاعدة في الشارع وحتى قضاة المحكمة العليا ومسؤولين كبارًا وقيادات من شتى الاختصاصات.
هذه الاختلافات لم تتحوّل إلى عوائق، لأن ما وحّد المشاركين لم يكن اتفاقًا على الماضي، ولا توافقًا حول المستقبل، بل خوفًا مشتركًا من الحاضر ومما قد يفرزه. ثمة إدراك متزايد بأن الدولة حين تُشرعن الفوضى في مكان، تفقد قدرتها على ضبطها في أماكن أخرى، وتصبح تهديدًا عامًا، حتى لو كان ضحاياها في معظمهم من العرب.
من هنا كان الخطّ الجامع في الشعارات والخطابات هو تحميل حكومة اليمين الفاشي المسؤولية المباشرة، ومطالبتها بأن تقوم بواجبها في اقتلاع الجريمة من جذورها، بدل الاكتفاء بدور المتفرّج أو الشريك بالصمت. ورغم التباين في التفاصيل، جرى التركيز على برنامج حدّ أدنى "وقف نزيف الدم". العرب يريدون إنهاء سياسة الإهمال المقصود، واليهود الديمقراطيون يريدون وقف الانزلاق نحو نموذج فاشي. الطريقان يلتقيان هنا، ولو مؤقتًا، عند هدف واحد هو التخلّص من منظومة حكم لم تعد تنتج إلا العنف.
السؤال المطروح الآن هو: هل يمكن أن تتحوّل هذه الوحدة اللحظية إلى مسار نضالي متقدم ومستمر يضع إسقاط حكومة اليمين المتطرّف هدفًا سياسيًا واضحًا؟ أم يجري احتواؤها وإفراغها من مضمونها كما حدث في محطات سابقة؟ المؤكّد أن التخلّص من سياسات بن غفير ونتنياهو هو مطلب يجمع العرب كلهم من غير استثناءات وشرائح يهودية واسعة تدرك أن الفاشية، حين تستفرد بالآخر، لا تتوقّف عند حدوده.
ما جرى في تل أبيب، بعد سخنين، هو تململ في مواجهة الشعور بالعجز والضعف، وإشارة إلى إمكانية العمل المشترك من دون محو الاختلاف، أوّلاً بين العرب أنفسهم، وثانيًا بين العرب وشريحة واسعة من اليهود الديمقراطيين، والتحدي الحقيقي هو في تحويل هذا الزخم إلى فعل سياسي منظّم ومؤثّر وذي استمرارية في ظل هذا الكم الكبير من التناقضات بين مختلف مركبات هذا الحراك.
هنا تبرز مسؤولية الطرفين. على القيادة العربية إعادة بناء إطار وحدوي فاعل، وفي مقدّمته القائمة المشتركة، لا كشعار انتخابي بل كأداة نضال حقيقية وشعبية وحدوية بعيدة النظر. وفي المقابل، تقع على القوى اليهودية الديمقراطية مسؤولية شراكة صادقة وجريئة، لا تقوم على إنكار هوية الجماهير العربية الفلسطينية وحصر نضالها في قضاياها المحلية، وعزلها عن كفاح شعبها العام، بل الاعتراف بحقّها وحق شعبها في النضال المشروع لأجل نيل حريته وتحرّره من العنصرية والأبرتهايد والاحتلال.
(عرب 48)