كيف أضاع العرب الطريق إلى الهند؟
2026-02-27 / 12:24
سليمان أبو ارشيد:
مشهد معانقة رئيس الوزراء الهندي لبنيامين نتنياهو، المطلوب رقم واحد للعدالة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وزيارته لإسرائيل أصلًا، في ظل حرب الإبادة المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، هو مؤشر مؤلم على التراجع والفشل العربي الذي مكّن إسرائيل من الزحف و"احتلال" مواقع كانت حتى فترة قريبة قلاعًا عصية عليها. فالعلاقات العربية الهندية لم تبدأ في مؤتمر باندونغ واجتماع نهرو وعبد الناصر على تأسيس منظومة دول عدم الانحياز عام 1955، بل وُلدت منذ فجر التاريخ واستندت إلى المشتركات الحضارية والسياسية، ثم تعمّدت بالكفاح المشترك ضد الاستعمار والهيمنة الإمبريالية.
وليس غريبًا، والحال كذلك، أن الهند عارضت قرار تقسيم فلسطين عام 1947، وصوّتت ضد انضمام إسرائيل إلى الأمم المتحدة عام 1949، وكانت أول دولة غير عربية تمنح منظمة التحرير الفلسطينية مكانة دبلوماسية عام 1975، وهي من أوائل الدول غير العربية التي اعترفت بالدولة الفلسطينية عام 1988، كما ظلّت رافضة لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل حتى عشية اتفاق أوسلو عام 1992.
وإن كانت التغيرات التي طرأت على السياسة الداخلية الهندية، المتمثلة بتراجع حزب المؤتمر وتنامي قوة الحزب القومي الهندوسي اليميني، قد ساهمت في هذا التحول، فإن انزياح العوائق السياسية هو الذي دفع هذه العلاقات قدمًا. فمع عقد مؤتمر مدريد للسلام ثم توقيع اتفاقية أوسلو واتفاقية وادي عربة، أُزيل من أمام الهنود أي عائق سياسي أو أخلاقي يمنع من تطوير العلاقة مع إسرائيل. كما أن إسرائيل نجحت مؤخرًا، بمساعدة العرب، في إقناع العديد من دول العالم بعدم ربط العلاقة معها بالصراع العربي الإسرائيلي أو بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الأمر الذي حصل على المزيد من الشرعية بعد تطبيع العديد من الدول العربية لعلاقاتها مع إسرائيل.
هذا التيسير العربي هو ما دفع نحو تعزيز العلاقات الهندية الإسرائيلية في مختلف المجالات، بحيث باتت الهند تشكل اليوم الشريك الآسيوي الأول بالنسبة لإسرائيل، إذ نما حجم التبادل التجاري بين البلدين من 200 مليون دولار عام 1992 إلى 6 مليارات دولار عام 2024، في حين تستورد الهند 50% من إجمالي صادرات الأسلحة الإسرائيلية. كما وقّعت الدولتان مؤخرًا، بالشراكة مع الإمارات العربية، اتفاقًا يهدف إلى الوصول بحجم التجارة بين أطرافه الثلاثة خلال السنوات الخمس القادمة إلى 115 مليار دولار.
وتقوم هذه الشراكة الاقتصادية على التعاون في المجال العسكري أساسًا، حيث تورد الصناعات العسكرية الإسرائيلية إلى الهند طائرات من دون طيار وأنظمة مراقبة ورادارات ونظم اتصالات، إضافة إلى التعاون بينهما في مشروع نظام الدفاع الجوي المسمى "باراك 8". هذا ناهيك عن توقيع الشركات الإسرائيلية اتفاقيات تفاهم مع شركات حكومية هندية لبناء مشروع مشترك لصناعة الطائرات من دون طيار ومشاريع مرتبطة بنظم الاتصالات والحروب الإلكترونية.
والحديث عن "ضياع الهند" بالنسبة للعرب ليس استثناء، بل هو يتسق مع حالة تراجع وغياب الدور العربي عن الساحة الدولية والإقليمية، وفتح المجال لعدوتهم، أو قل لصديقتهم إسرائيل، للتغول في مناطق امتدادهم الحيوي، وخاصة آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط.
وإذا كان "العرب" من السذاجة بحيث اعتبروا أن إسرائيل أصبحت دولة صديقة وودودة، ولم تعد هناك حاجة لقطع الطرق أمام محاولات مد أذرعها وتوسيع مناطق نفوذها في العالم كما كان الحال سابقًا، فيما حوّلوا عداءهم نحو إيران وما سموه "المحور الشيعي"، وتخاذلوا بسبب ذلك في الوقوف مع غزة في وجه حرب الإبادة، فإن تداعيات هذه الحرب وملحقاتها، المتمثلة بمحاولات ضرب إيران وإزاحتها كعقبة كأداء من وجه الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، باتت تلاحقهم ليس كتصريحات على غرار التي أدلى بها سفير أميركا في إسرائيل حول حق الأخيرة في كل المنطقة الواقعة بين النيل والفرات فقط، بل كفعل إسرائيلي على الأرض أيضًا.
(عرب 48)