رعاع البقر
2025-10-27 / 15:55
سهيل كيوان:
تشهدُ الضفة الغربية المحتلة تصعيدًا في اعتداءات المستوطنين، وذلك بعد "وقف" إطلاق النار في قطاع غزّة وبدء موسم قطف الزّيتون، في إشارة إلى أن الحرب على الشعب الفلسطيني مستمرة، ولكن التركيز الآن سينتقل إلى الضفة الغربية بعد تدمير قطاع غزّة و"وقف" إطلاق النار! وما سيعقبه من إجراءات قد تنجح في تثبيت وقف النار وقد تفشل، ولكن المهم أن الاعتداءات لم ولن تتوقف.
أحرق المستوطنون سيارات وهاجموا الفلاحين وبيوتهم، ومنعوا آخرين من دخول أراضيهم لجني محصول الزيتون، وقطعوا الأشجار ونهبوا الثمار وأصابوا وجرحوا بعضهم. وتخريب موسم الزّيتون يهدف إلى زيادة التضييق في الحياة اليومية على الناس، إذ يُعتبر الزّيتون مصدرًا أساسيًا للأمن الغذائي للفلسطينيين، خصوصًا في ظروف البطالة ومنع عمّال الضفة الغربية من الدخول للعمل في إسرائيل، ما يزيد من معاناة شرائح أكبر وأوسع من الفلسطينيين.
إضافةً إلى هذا، تعتقل قوات الاحتلال أسرى محرّرين من الصّفقة الأخيرة، في تأكيد أنها لا تحترم صفقات ولا اتّفاقات.
رافق هذا التصعيد تصويت على فرض القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية، وقد حظي بأكثرية من شاركوا في التّصويت في القراءة الأولى.
وتوجد أكثرية ساحقة تؤيّد ضمّ الضفة الغربية لإسرائيل وفرض القانون الإسرائيلي عليها. في وقتٍ سابق هذا العام، في شهر تموز/ يوليو، أيّد 71 عضوًا مقابل 13 فرضَ القانون الإسرائيلي. هذا يعني أنّه لا توجد معارضة فعلية للضّم، والمعارضة القليلة هي حول بعض التفاصيل والتوقيت، وكجزء من المناكفات السياسية، وليست على مبدأ الضم ومنع إقامة دولة فلسطينية.
من جانبه، أعلن دونالد ترامب رفضه إقرار قانون يقضي بضمّ الضفة الغربية، في تعارض مع موقف نتنياهو، وقال ترامب إنه وعد العرب بمنع هذه الخطوة.
ولا يستطيع أحد أن يجزم إذا ما كان قرار ترامب ينطلق من رؤية ثابتة وبعيدة المدى، ولكن الواضح أنه لا يستند إلى الشّرعية الدّولية أو إلى طرح حلّ الدولتين. ترامب يتعامل مع الموضوع كصفقة يمكن أن تزيد أو تنقص خلال عملية التفاوض والتجاذبات بين القوى ذات المصالح والتأثير. وسبق أن قال إنّه لا يرى حلّ الدولة الواحدة ولا حلّ الدولتين، ولكنّه يرى السّلام يتحقّق.
موقف ترامب من الضمّ مؤقّت وقابل للانقلاب، ولكنّه يهدف إلى منح بعض الوقت للعرب المطبّعين والذين على نيّة التّطبيع تبريرًا، كي لا يكون ضمّ الضفة الغربيّة حجر عثرة أمام رؤيته لاتفاقات أبراهام.
الحكومة الحالية بمختلف مركّباتها أعلنت أكثر من مرّة تفضيلها منع قيام دولة فلسطينية على علاقة تطبيعٍ مع السّعودية أو غيرها، بل إن سموتريتش سخر من السعوديين بتعبير "فليركبوا الجمال"، في تصريحٍ استعلائيٍّ وجاهلٍ لواقع السّعودية.
الدول العربية كلها أكّدت رفضها لضمّ الضفة الغربية لإسرائيل، وتتحدّث عن ضرورة حلّ الدولتين لضمان أمن جميع دول المنطقة، ولكن كيف يمكن لهذا الموقف أن يُترجم إلى قوةٍ ضاغطة؟
يضع ترامب مصلحة أمريكا فوق مصلحة المستوطنين، ويرى أن مصلحة إسرائيل هي في الانخراط في المنطقة ضمن رؤية اتفاقات أبراهام، ومنح الفلسطينيين في هذا الإطار الواسع إمكانيةً لإدارةٍ ذاتية من غير القدس، مع إبقاء المستوطنات الحالية وضمّها لإسرائيل، ولكن ليس ضمّ الضفة كلّها. أي أنه يطمح، وفق رؤيته، أن يرى نوعًا من الإدارة الفلسطينية لمنطقة الضفة الغربية، ثم إعلان تحقيق السّلام على يده.
من وجهة نظر ترامب، فهو يقدّم حلولًا "إبداعية" لقضايا العالم والمنطقة، لا دخل للقرارات الدولية فيها، فهو يرى أنّه صاحب القرار الأخير في كلِّ القضايا الدولية، وبضمنها القضية الفلسطينية.
يشعر المستوطنون أنهم في سباقٍ مع الزّمن، وأن ضمّ الضفة الغربية بات عملًا ملحًّا في مواجهة تطوّرات ما يسمى "اتفاقات أبراهام" والسّلام والتطبيع الذي يحكي عنه ترامب، والذي قد يحدّ من توسيع المستوطنات أو بناء أخرى جديدة في المستقبل القريب.
حكومة إسرائيل الحالية هي حكومة المستوطنين، وتسعى إلى إنهاء دور السُّلطة الفلسطينية في رام الله، وحشر الفلسطينيين في قراهم ومدنهم، ومنعهم من العمل في أراضيهم التي ستقام عليها المزيد من المستوطنات، ودفعهم دفعًا إلى الهجرة.
هل يستطيع العرب أن يحقّقوا حلًّا معقولًا للفلسطينيين في ظلّ الظروف الدولية الحالية؟
يُعتبر العربُ كنزًا لأمريكا، فهم من أكبر المستثمرين الأجانب في الولايات المتّحدة، وأكثرهم إيداعًا لأموالهم فيها، ومن أكثر الدول استيرادًا للأسلحة الأميركية، ويتفوّق العرب بهذا على اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية، الأمر الذي يعني تشغيل مئات آلاف وربما ملايين الأميركيين، وأنّ الثّروة العربية تلعب دورًا هامًا في صراع أمريكا في مواجهة المنافسين الكبار مثل الصين.
إضافةً إلى كون العرب حلفاء أمريكا عسكريًا، وحرّاسًا لمصالحها، ويشكّلون قواعد متقدمة لها في منطقة حيوية للمحافظة على نفوذها وسيطرتها على مصادر الطاقة والممرّات البحرية، إضافةً إلى كون أكثر الأنظمة العربية تعتبر إيران خطرًا عليها، وهو ما تسعى أمريكا وإسرائيل إلى تعزيزه.
رغم كل ذلك، فإن الحكومة الأكثر تطرّفًا في تاريخ إسرائيل تطمح إلى الانتهاء إلى الأبد من فكرة الدولة الفلسطينية، أو حتى الحكم الذاتي للفلسطينيين، وهي مصرّة على إقامة "إسرائيل الكبرى"، ولكنّها في الوقت ذاته قادرة على تأجيل بعض الخطوات الحاسمة، حتى يهدأ غبار معارك ترامب وطموحه لإقامة اتفاقات أبراهام.
والأرجح أنها تنتظر أحداثًا جديدة تقلب الوضع وسلّم الاهتمامات رأسًا على عقب، مثل مواجهةٍ عسكرية مع إيران أو فتح جبهة لبنان وغيرها من الإمكانيات، إضافةً إلى زيادة تعقيد الوضع غير المستقر وغير الواضح في قطاع غزّة، والإبقاء على إمكانية استئناف الإبادة فيه.
(عرب 48)