سنتين من التدمير وسنين بلا تعمير

2025-10-30 / 23:53

القضية الفلسطينية لم تبدأ في السابع من أكتوبر، بل أن هذا التاريخ هو نتيجة لما قبله
Post image

بقلم : سامر العنبتاوي

لعل الفترة ما بين أكتوبر ٢٠٢٣ وأكتوبر ٢٠٢٥ من أهم إن لم تكن أهمها مراحل القضية الفلسطينية، وأكثرهم كلفة وأبشعهم عدوانا وأكثرهم إحساسا بالظلم والخذلان.

وللتفصيل نقول بأن القضية الفلسطينية لم تبدأ في السابع من أكتوبر، بل أن هذا التاريخ هو نتيجة لما قبله وليس كما يدعي الإحتلال إستدراجا لما بعده من حرب ضروس نالت البشر والحجر، فلا عقل يقول أن بإمكانك عمل حصار محكم على أكثر من مليوني إنسان وتحرمهم من أبسط حقوق واحتياجات الناس من علاج ووقود ومياه نظيفة وكهرباء وحرية تنقل وعندما ينتفضون للخروج من القفص تتهمهم بالإرهاب تحاول إقناع العالم بذلك.

لقد دفع أهلنا في قطاع غزة أثمانا كبيرة جدا غير مسبوقة وعلى كافة المستويات، وتجاوز ذلك حدود الإنتقام والرد إلى الذهاب نحو الإبادة والتطهير العرقي من قبل الإحتلال، وكما نجح الإحتلال بتصدير روايته وأقنع العالم بأنه ضحية وكسب تأييد العالم في البداية إلا أن الأمور انعكست تماما واكتشف العالم الحقيقة ولم يؤيد الرواية الفلسطينية فقط بل تبنتها شعوب العالم ودافعت عنها مما ترك تأثيرا كبيرا على القادة الغربيين وبدأ التغيير في مواقفهم، وصحيح أن التكلفة كانت مرتفعة جدا إلا أن التأثير والتغيير على مستوى العالم كان أيضا مرتفعا وهاما جدا، والمهم أن نعي هنا أمرين أساسيين: الأول أن العدوان لم يستهدف حركة بعينها أو منطقة لوحدها بل كان الإستهداف للشعب الفلسطيني بأكمله بأهداف التركيع وإنهاء قضيته، بل والتهجير أيضا وعلى هذا الأساس تشكلت الحكومة اليمينية وأسلحتها موجهة إلى غزة وعينها على الضفة.

الثاني أن ثمن الحرب كان مكلفا أيضا للإحتلال على الصعيد البشري والإقتصادي وخسارة التأييد العالمي، ولولا الدعم الغربي الكبير وتحديدا الشيك المفتوح من الولايات المتحدة لما استطاع الإحتلال الصمود في حرب الإستنزاف وخاصة عندما فتحت جبهات أخرى من لبنان إلى إيران وما بينهما.

لقد فقدت غزة نحو ٧٠ ألف شهيد وعشرة آلاف مفقود وتدمير أكثر من ٩٠ بالمئة من القطاع، بما في ذلك البنية التحتية والمشافي والجامعات والمدارس والطرقات وغيره، وكانت أهداف الإحتلال المعلنة تنحصر في إطلاق الأسرى الإسرائيليين بالقوة وفشلوا، وإنهاء وتدمير المقاومة فقد استطاعوا إضعافها لكن لم يتمكنوا من التدمير، وتراجعوا عن الإحتلال وفرض السيطرة الأمنية، والأهم مشروع التهجير الذي كان مخفيا في البداية ثم أصبح علنيا وكذلك فشلوا في تنفيذه.

وقد برزت المقترحات المتعددة للحل وكان أغلبها ضاغطا على الضحية ومتماهيا مع الإحتلال إلى أن جاءت خطة ترامب التي نوقشت مع رئيس الحكومة الإسرائيلية وتم إجراء التعديلات عليها لتصبح على المقاس، ووافقت القوى في غزة عليها لوقف شلال الدم والتدمير على القطاع، والخطة فضفاضة بدون آليات أو جداول زمنية ملزمة وواضحة، وبدون ضمانات قوية أيضا، ولعل رئيس حكومة الإحتلال استطاع إقناع اليمين المتطرف بالسكوت عن تمرير المرحلة الأولى بإطلاق الأسرى ثم الإستمرار في الهيمنة الأمنية وربما العودة للحرب.

لقد كانت هذه مرحلة في النضال الفلسطيني بإيجابياتها وسلبياتها، ولكن لا بد هنا من أمرين أساسيين الأول إجراء مراجعة شاملة للاستفادة من تجارب المرحلة، وثانيهما بناء موقف وبرنامج فلسطيني موحد فالدمار لم ينته والحرب كذلك.

إن هذا الزخم العالمي بالدعم يجب أن يستثمر والبناء عليه وزيادة عزلة السياسة الإسرائيلية ووراءها الأمريكية وهذا يتم فقط ببناء الموقف الفلسطيني الموحد ضمن تطوير ودمقرطة منظمة التحرير على أسس كفاية وديموقراطية، وأيضا بناء أوسع تحالف على المستوى الإقليمي والعالمي وتطوير الموقف العربي والإسلامي، خاصة أننا أمام مراحل أكثر تعقيدا تتعلق في متطلبات إعادة الإعمار ومواجهة المخططات، وإستمرار النضال الفلسطيني حتى نيل الحرية وتقرير المصير وكي لا يتحول الحل المزعوم إلى إنتداب وفرض الوصاية من خلال ما يسمى مجلس سلام، وأن تبقى القيادة فلسطينية خالصة وبدون أي تدخلات، فكل ما حصل على ضخامته وأهميته يظل مرحلة في طريق طويل نحو الخلاص.