وعد بلفور... قرن من الظلم المستمر
2025-11-01 / 20:24
وسط هذا الخراب، يبقى الفلسطيني أكبر من الجرح، وأقوى من الموت.
بقلم : فادي البرغوثي
الثاني من نوفمبر 1917، أصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور وعده الشهير بدعم إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين. لم يكن هذا الوعد مجرد نص دبلوماسي عابر، بل شهادة ميلادٍ لمشروعٍ اقتلاعيٍّ إحلاليٍّ ما زال يعيش بيننا حتى اليوم. فقد منحت بريطانيا، ببرود الإمبراطوريات، ما لا تملك لمن لا يستحق، وسلبت من شعبٍ حقه في الوجود والوطن والذاكرة. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الفلسطيني مجرد ضحيةٍ لتاريخٍ مضى، بل رهينةٌ لعالمٍ صنع هذا التاريخ ويواصل تبريره.
لم يكن الوعد نصًا سياسيًا عابرًا، بل في رؤيةً للعالم قسمت فيه الشعوب إلى من يملك ومن يُملَك، ومن يستحق الحرية ومن يُستثنى منها. وهكذا تحوّل هذا النص القصير إلى جرحٍ مفتوحٍ في الجسد العربي، وصار الفلسطيني منذ ذلك الحين يواجه قرنًا من النفي والقتل والتهميش. ومع مرور الزمن، لم تمت روح بلفور، بل وجدت من يرثها، من الاستعمار البريطاني إلى الدعم الأمريكي اللامحدود، ومن الانتداب إلى "صفقة القرن"، مرورًا بكل حربٍ ومجزرةٍ ومحاولةٍ لتصفية الذاكرة.
واليوم، بعد أكثر من مئة عام، نرى آثار الوعد في كل تفصيلٍ من الحياة الفلسطينية... في الجدار الذي يقطع الضفة، في المستوطنات التي تبتلع الأرض، في القدس التي تُهوَّد حجارتها وأسماءها، وفي غزة التي تُباد على مرأى العالم. فغزة، الشريط الساحلي الضيق الذي يختزن كرامة أمة بأكملها، دفعت ثمناً باهظاً لاستمرار هذا المشروع الاستعماري. منذ بداية الحرب الأخيرة، استُشهد وجُرح أكثر من 250 ألف فلسطيني، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال، وتحوّلت المدينة إلى أنقاضٍ تتنفس الرماد. ورغم اتفاق الهدنة بين الاحتلال والمقاومة، لا تزال الغارات تتواصل، كأن الموت وحده هو ما يضمن الأمن في منطق القوة. لقد أصبحت غزة مختبرًا لسياسة الإبادة الجماعية، حيث يُقصف الأحياء والمستشفيات والمدارس تحت ذريعة “محاربة الإرهاب”، بينما الحقيقة واضحة تكمن في كسر إرادة شعبٍ بأكمله، وتحويل الحياة اليومية إلى معركةٍ من أجل البقاء.
وفي الضفة الغربية، يُمارس الاحتلال التهويد البطيء، ومصادرة الأراضي، والاقتحامات اليومية ، وهدم البيوت. لذا فكل حجرٍ يُهدم في الخليل، وكل زيتونةٍ تُقتلع في نابلس، هو استمرارٌ لوعدٍ وُقِّع قبل قرن، وما زال يُنفَّذ بوسائل جديدة. أما فلسطينيّو الداخل، الذين يعيشون داخل حدود 1948، فما زالوا يواجهون عنصريةً ممنهجةً تنكر وجودهم وتحتقر هويتهم. من قانون "يهودية الدولة" الذي يصادر حقهم في المواطنة المتساوية، إلى سياسات التهجير في النقب والجليل، فالفلسطينيون ما زالوا يعيشون شكلًا حديثًا من نكبة قانونية وثقافية ووجودية مستمرة تُمارس بالقوة والتهميش والتمييز.
إن هذه الممارسات ليست سوى امتداد طبيعي لوعد بلفور. فالوعد اليوم لم يُكتب بالحبر، بل نفذ بالصواريخ والطائرات والدبابات، ويُغطَّى بخطابٍ غربيٍّ عن “حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها”، وكأن الفلسطيني الذي يُقتل ويُهجّر لا حق له حتى في أن يُنصت إليه أحد. لقد ورث الغرب الحديث هذا المنطق الاستعماري دون مراجعة، فبريطانيا التي أطلقت الوعد ما زالت تصمت عن نتائجه، والولايات المتحدة التي ورثته تموّل استمراره، وأوروبا التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان تغضّ البصر كلّما احترق طفل في غزة.
وسط هذا الخراب، يبقى الفلسطيني أكبر من الجرح، وأقوى من الموت. ففي غزة، يولد الأطفال بين الركام، ويكتب الشعراء على الحيطان المنهارة قصائد البقاء. في الضفة، يزرع المزارعون الزيتون رغم الحواجز، ويصمدون أمام هدم البيوت ونهب الأرض. وفي أراضي 48، يُعلّم المثقفون أبناءهم أسماء القرى المهجّرة كي لا تضيع الذاكرة، وتبقى الحياة حاضرةً في كل حجرٍ وزيتونة. وفي الشتات، تُحفظ المفاتيح كرمز حي للعودة، لا كذكرى باهتة من زمنٍ مضى.
وفلسطين ليست مجرد جغرافيا، بل وعيٌ مقاوم لكل محاولات الطمس، وتاريخٌ يكتبه الناس كل يومٍ بالدم والصبر والكلمة. ولذلك، لا يمكن قراءة الحاضر الفلسطيني دون العودة إلى وعد بلفور كجذر للاستعمار الحديث. بريطانيا، التي منحت أرضًا ليست لها، تتحمّل مسؤوليةً تاريخيةً وأخلاقية عن كل ما يجري اليوم. وليس من عدالة أن تبقى كلمات الاعتذار غائبة، بينما يُقصف المدنيون في غزة حتى بعد الهدنة، ويُهجّر الفلسطينيون من القدس والنقب. فالمطلوب اليوم ليس اعتذارا لغويًا فحسب، بل سياسي وأخلاقي وأن تعترف بريطانيا بالخطأ، وتدعم بوضوح حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وإقامة دولتهم المستقلة، وعودة اللاجئين إلى ديارهم. فبدون مواجهة الحقيقة، سيبقى وعد بلفور لعنة أخلاقية تلاحق الضمير البريطاني والغربي.