من يقتل لا يُغيث: السردية الأمريكية الجديدة في غزة

2025-11-02 / 08:32

كيف يمكن لمن موّل القتل أن يوزّع الخبز؟وكيف لمن صمت على المجازر أن يدّعي اليوم الدفاع عن الضحايا؟
Post image

نافذة - اتهم وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، حركة حماس بـ “حرمان سكان غزة من المساعدات الإنسانية التي هم بأمسّ الحاجة إليها”، وذلك على خلفية مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأمريكية يظهر ما وصفته بـ “نهب” شاحنة مساعدات في القطاع.

وشدد روبيو في منشورٍ له على منصة “إكس” مساء السبت، على أن هذه السرقات “تقوض الجهود الدولية الداعمة لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب” المكونة من عشرين نقطة لتقديم مساعدات حيوية للمدنيين في غزة. وأكد أن “حماس هي العائق أمام تنفيذ الخطة”، مشددًا على ضرورة “إلقائها السلاح ووقف عمليات النهب”.

في المقابل، نفى المكتب الإعلامي الحكومي التابع لحركة حماس في غزة تلك الاتهامات بشكل قاطع. وقال المكتب في بيانٍ صدر أمس السبت إن ما ورد في الفيديو هو “ادعاء مفبرك يهدف إلى تشويه صورة الأجهزة الشرطية الفلسطينية”، مؤكدًا أن هذه الأجهزة “تؤمن القوافل الإغاثية وترافقها حتى وصولها إلى مخازن التوزيع”.

وكانت القيادة المركزية الأمريكية قد أصدرت بيانًا أوضحت فيه أن “مركز التنسيق المدني العسكري (CMCC)” الذي تقوده الولايات المتحدة “لاحظ قيام عناصر مشتبهٍ بهم من حماس بنهب شاحنة مساعدات شمال خان يونس”. وأضاف البيان أن المركز تلقى تنبيهًا عبر كاميرات طائرةٍ بدون طيار من طراز MQ-9 كانت تحلّق لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار بين حماس وكيان الاحتلال، مشيرًا إلى أن العناصر “هاجموا السائق وسرقوا المساعدات”، وأن “مصير السائق لا يزال مجهولًا”.

كما نبّهت القيادة المركزية إلى أن الحادث “يقوض جهود الشركاء الدوليين الذين أوصلوا أكثر من 600 شاحنة مساعدات يوميًا خلال الأسبوع الماضي إلى القطاع الفلسطيني”.

 ان وراء هذه الرواية الأمريكية تكمن مفارقةٌ صارخة. فالولايات المتحدة التي لم تتوقف يومًا عن دعم آلة الحرب "الإسرائيلية" بالمال والسلاح والغطاء السياسي، تحاول اليوم أن تظهر في هيئة “المنقذ الإنساني” لغزة. هذا التناقض الفجّ يكشف جوهر السياسة الأمريكية في المنطقة: من يصنع الكارثة لا يمكن أن يكون صادقًا في معالجة نتائجها. فواشنطن التي وفّرت للاحتلال أحدث القنابل والصواريخ التي دمّرت البيوت فوق ساكنيها، لا تملك المصداقية الأخلاقية لتقديم نفسها كوسيطٍ نزيه أو راعٍ للمعونات.

اتهامها لحركة حماس بسرقة المساعدات يبدو جزءًا من حملة سياسية منظمة تهدف إلى تشويه صورة المقاومة وتبرير استمرار السيطرة الأمريكية على مسار الإغاثة في القطاع. أما الفيديو الذي استندت إليه القيادة المركزية، فيحمل جميع سمات الفبركة الإعلامية التي اعتادت عليها الدعاية الغربية في الحروب في اثارة  لقطاتٌ مبهمة، بسياقٌ غائب، ومصدرٌ واحد يتحدث باسم الحقيقة.

إن من يراقب المشهد بعينٍ ناقدة يدرك أن الهدف ليس إنقاذ غزة، بل إعادة صياغة سردية الحرب بعد أن انكشفت فظائع الاحتلال أمام العالم. واشنطن تريد أن تنقل النقاش من المجازر التي ارتكبتها "إسرائيل" إلى "مشكلاتٍ إنسانية" تتهم بها الضحية نفسها. هكذا تتحول المأساة الفلسطينية مرةً أخرى إلى مادةٍ تبريرية في خطاب القوة، لا إلى قضية عدالةٍ وحقوق شعبٍ يُعاقب لأنه صمد.

فالولايات المتحدة التي رعت الحصار على غزة، وشاركت بالصمت في قصف المستشفيات والمدارس ومخيمات اللاجئين، تحاول اليوم تلميع صورتها عبر "خطة إنسانية" تُدار من القواعد العسكرية نفسها التي تُدار منها الغارات الجوية. والاتهام الموجه لحماس ليس سوى محاولةٍ لإعادة إنتاج خطابٍ استعماري قديم تبرير الهيمنة باسم المساعدة، وإدانة المقاومة باسم الإنسانية.

إن من يعرف تاريخ العلاقة بين واشنطن وتل أبيب يدرك أن كل حملة "إغاثية" تأتي بعد مجزرةٍ كبرى، ليست سوى غطاء سياسي لتمديد الحرب بوسائل أخرى. فالإدارة الأمريكية لم تكن يومًا وسيطًا، بل طرفًا أصيلًا في استمرار المأساة الفلسطينية، من وعد بلفور الذي رعته بريطانيا إلى سياسات ترامب وروبيو التي تكرّس منطق القوة والهيمنة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأخلاقي مفتوحًا  كيف يمكن لمن موّل القتل أن يوزّع الخبز؟ وكيف لمن صمت على المجازر أن يدّعي اليوم الدفاع عن الضحايا؟