تقرير الفاو: انهيار شبه تام للزراعة في غزة وما تبقى منها أقل من 5%
2025-11-03 / 18:54
أن تدمير البنية الزراعية لا يعني فقط فقدان الطعام، بل فقدان الكرامة والقدرة على الحياة المستقلة. فالزراعة في غزة ليست مجرد اقتصاد، بل هي جزء من الهوية والمقاومة اليومية في وجه الحصار.
نافذة - أطلقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) تقريرها السنوي الأخير، محذّرة من واحدة من أشدّ الأزمات الغذائية في العالم، حيث تصدّرت غزة قائمة المناطق التي تواجه انهيارًا شبه تام في منظومتها الزراعية والغذائية، إلى جانب السودان واليمن وأفغانستان.
لم يكن تقرير الفاو مجرّد رصدٍ للأرقام، بل شهادة على مأساة تمتد من الأرض إلى البحر، ومن المزارع التي خلت من خضرتها إلى الصيادين الذين عجزوا عن الوصول إلى رزقهم.
فقد أشار التقرير إلى أن أقل من 5% فقط من الأراضي الزراعية في غزة ما زالت صالحة للزراعة، بعدما دُمّر أكثر من 80% من المساحات المزروعة بفعل القصف والعمليات العسكرية. أما البيوت البلاستيكية الزراعية، التي كانت تشكّل العمود الفقري لإنتاج الخضراوات، فقد تضرر أكثر من 70% منها بشكل كامل، في حين باتت الآبار الزراعية إما مدمّرة أو معطّلة، ما جعل الوصول إلى المياه الزراعية أمرًا شبه مستحيل.
لم يقف الخراب عند حدود اليابسة، بل امتد إلى البحر، حيث أوضح التقرير أن الصيادين في غزة يواجهون قيودًا قاسية تمنعهم من الوصول إلى مناطق الصيد، مما أدى إلى تراجع حاد في مصادر البروتين الحيواني للسكان، الذين يعتمدون على الأسماك كبديل متاح ورخيص نسبيًا.
هذه الأرقام، التي قد تبدو باردة في ظاهرها، تخفي وراءها مشهدًا من الدمار الإنساني والمعيشي؛ إذ إن أكثر من 90% من سكان غزة لا يستطيعون الحصول على غذاء كافٍ، فيما انخفض الإنتاج المحلي من الخضراوات والحبوب إلى أقل من نصف مستواه قبل عامين فقط. وبذلك، تحولت غزة من أرض خصبة كانت تصدّر منتجاتها الزراعية، إلى منطقة تعيش على شفا المجاعة وتعتمد اعتمادًا شبه كامل على المساعدات الإنسانية.
المنظمة الدولية لم تكتفِ بالتحذير، بل قدّمت دعوات عاجلة إلى تسهيل دخول الإمدادات الزراعية والوقود عبر المعابر، وإلى إصلاح الآبار وتوفير البذور والأعلاف، مؤكدة أن استمرار القيود سيقود إلى مزيد من الانهيار في الإنتاج المحلي، وربما إلى مجاعة شاملة خلال الأشهر المقبلة إن لم يُسمح بدخول المساعدات.
وخلف هذه التحذيرات الرسمية، تكمن مأساة بشرية تتجاوز أرقام الفاو. فالفلاح الذي كان يزرع أرضه ويعيل أسرته أصبح عاطلًا بلا مورد، والمزارع الذي كان يُصدّر خضاره بات ينتظر طردًا غذائيًا، والصياد الذي كان يعود بشباك ممتلئة صار يعود بصمت البحر.
إنها صورة لمجتمع يُجبر على التراجع من الاكتفاء الذاتي إلى الاعتماد القسري، ومن الزراعة التي تُنبت الحياة إلى انتظار المساعدات التي بالكاد تُبقي الناس أحياء.
تقدّر الفاو وشركاؤها أن نحو 2.2 مليون إنسان في غزة بحاجة ماسة إلى مساعدات غذائية وإنسانية فورية، وأن تدمير البنية الزراعية لا يعني فقط فقدان الطعام، بل فقدان الكرامة والقدرة على الحياة المستقلة. فالزراعة في غزة ليست مجرد اقتصاد، بل هي جزء من الهوية والمقاومة اليومية في وجه الحصار.
في نهاية المطاف، يبدو أن ما يحدث في غزة اليوم هو تجويع ممنهج لشعبٍ صامد، إذ تتحول الأرض إلى رماد، والمياه إلى عجز، والبحر إلى منطقة محظورة. وبينما يزداد نداء الفاو وضوحًا، يظل العالم مترددًا في إنقاذ ما تبقّى من حياة على هذه الأرض التي جاعت بعد أن كانت تُطعم غيرها.