العودة التي تسبق الميلاد ... بين الطفولة والمصير في رواية "السفر إلى كعكة القمر" لزياد خداش
2025-11-04 / 01:20
زياد خداش لا يكتب عن النكبة بوصفها حدثًا سياسيًا فقط، بل كحالة وعي متكررة. فالعودة التي يقدمها ليست جغرافية، بل لغوية وروحية
بفلم : فادي البرغوثي
في رواية "السفر إلى كعكة القمر"، لا يعود زياد خداش إلى بيت نبالا ليبحث عن ماضٍ ضائع فحسب، بل ليعيد ترتيب وجوده من البداية. فالعودة هنا ليست رحلة في الذاكرة فقط، بل عبور في الزمن إلى ما قبل الولادة، إلى اللحظة التي لم يكن فيها موجودًا بعد. يدخل زياد القرية طفلًا، كأنه يولد من جديد داخل المكان الذي حُرم منه. يرى والدته وهي طفلة تركض في الأزقة، ويرى والده طفلا ايضا، ثم يشهد زواجهما بعد الهجرة، ويشاهد ميلاده القادم من رحم تلك الحكاية الفلسطينية التي لا تنتهي.
بهذه العودة، يصبح الحلم الفلسطيني ليس استعادةً لما كان، بل تجربة ميلاد جديدة، تُعيد الإنسان إلى جوهره الأول، قبل أن تشوّهه النكبة والمنفى.
في البداية، يخيَّل للقارئ أن زياد يسافر بخياله إلى زمن ما قبل 1948، إلى بيت نبالا التي يسكنها الضوء والذاكرة. هناك يعيش بين أجداده وأهله، يتنفس رائحة الحقول، ويسمع أصوات القرية التي اختفت عن الخريطة. لكنه يكتشف أن هذه الرحلة ليست مجرد حلم، بل تجربة وجودية قاسية. فهو يُسجن على يد الاحتلال البريطاني، ويشهد بدايات النكبة، ويحاول أن يحذر الناس من الرحيل قائلًا إن مصيرًا قاسيًا ينتظرهم إن خرجوا، لكن أحدًا لا يصغي.
وحين تقع الكارثة، يجد نفسه في مخيم الحلزون لاجئًا، يشهد ميلاد ذاته الجديدة للطفل زياد بينما هو يموت على يد خاله في مشهد يلخّص مأساة الفلسطيني الذي تقتله ذاكرته ويُبعث من جديد في طفله.
وفي خضمّ هذا الزمن الدائري، يلتقي زياد بشخصية "مصطفى"، أحد أبناء القرية وقائد مجموعة فدائية تُعرف باسم "الزوبعة". مصطفى هو المثقف المناضل، الذي يرمز إلى وعي المقاومة. وعندما يخبره زياد، القادم من المستقبل، بما سيحدث عن النكبة، عن الشتات، عن المخيمات لكنه لا يتراجع ، بل يواصل طريقه لأنه يؤمن أن النضال واجب أخلاقي لا يُلغيه علمٌ بالمصير. يقول له ضمناً "أن تعرف المأساة القادمة لا يعني أن تتوقف عن المقاومة". وهنا تبرز المفارقة العميقة في الرواية بأن من يعرف المستقبل لا يملك القدرة على تغييره، لأن قدر الفلسطيني أن يواصل الطريق مهما كانت النهايات.
أن يدخل زياد في عمر الستينات ويرى والديه في طفواتهما ، وأن يشهد في المخيم زواجهما وميلاده، يعني أن العودة في الرواية ليست عودة إلى الماضي فحسب، بل إلى أصل الحياة. الأم هنا رمز الحنين والذاكرة، والأب يمثل الجذر والهوية، ومصطفى يجسد الضمير الجمعي الذي يربط بين الفرد والوطن. بهذه الشخصيات الثلاث، يبني خداش خريطة رمزية للوجود الفلسطيني بين الذاكرة والنضال، بين الحب والواجب، بين الميلاد والموت.
لقد ابدع خداش بجعل الماضي يواجه الحاضر يُقتل كي يفسح المجال للجيل الجديد. ومع ذلك، لا يموت المعنى، لأن الطفل الذي يولد في المخيم يرث الذاكرة ويرث البيت والحكاية والصوت. بهذا الشكل، تتحول الرواية إلى تأمل في فكرة التناسل الرمزي: الفلسطيني يولد من موت سابق، ويعيش محمولًا على ذاكرة لم يعشها.
زياد خداش لا يكتب عن النكبة بوصفها حدثًا سياسيًا فقط، بل كحالة وعي متكررة. فالعودة التي يقدمها ليست جغرافية، بل لغوية وروحية. وكما يقول محمود درويش: "من يكتب حكايته يرث أرض الكلام"، فإن زياد يرث أرضه بالكلمات، لا بالتصاريح. فالمكان الذي فُقد يُستعاد في اللغة، في الجملة التي تبني بيتًا من الذاكرة، وفي الحكاية التي تجعل الغياب حضورًا حيًا.
المخيم في الرواية لا يُقدَّم كمنفى فقط، بل كرحمٍ جديد يولد فيه الفلسطينيون من الحلم. فحتى أولئك الذين وُلدوا في المخيمات يعرفون بيوتهم الأولى كما لو أنهم عاشوا فيها. الطفل الذي يولد في المخيم بعد موت العائد هو البرهان على أن الفلسطيني لا يحتاج إلى جغرافيا كي يكون، بل إلى ذاكرة تتوارث نفسها.
في النهاية، تجعل رواية "السفر إلى كعكة القمر" الأدب بديلاً عن الخرائط، والخيال وسيلةً لاستعادة المكان من قبضة الاحتلال. فعندما يدخل زياد بيت نبالا كهلا، ويرى والديه قبل ميلاده، ويخبر مصطفى بالمستقبل القادم، يصبح الأدب ذاته شكلًا من أشكال المقاومة. فالحكاية هي الوطن، والكتابة هي العودة، والخيال هو الطريق الوحيد الذي لا يُغلق في وجه الفلسطيني.