قوة دولية أم وصاية جديدة على غزة؟

2025-11-09 / 08:53

تقرير ميدل إيست آي كشف ملامح هذا المشروع الذي يتقدم به الأميركيون إلى الأمم المتحدة، مشيرًا إلى أن تركيا ومصر أعربتا عن توجس عميق من أهدافه الخفية
Post image

نافذة - لم يكن المقترح الأميركي بتشكيل قوة دولية في قطاع غزة مفاجئًا في توقيته بقدر ما كان كاشفًا لجوهر الرؤية الأميركية تجاه ما بعد الحرب: غزة منزوعة الإرادة قبل أن تكون منزوعة السلاح. فالحديث عن "قوة متعددة الجنسيات" يشارك فيها العرب، ويتولاها مجلس سلام يرأسه دونالد ترامب، ليس سوى إعادة إنتاج لفكرة الانتداب الحديث بغطاء أممي.

تقرير ميدل إيست آي كشف ملامح هذا المشروع الذي يتقدم به الأميركيون إلى الأمم المتحدة، مشيرًا إلى أن تركيا ومصر أعربتا عن توجس عميق من أهدافه الخفية. فالمسودة الأميركية لا تكتفي بإعطاء القوة مهام "حفظ السلام"، بل تمنحها صلاحيات نزع السلاح بالقوة، وتدمير البنية العسكرية لقطاع غزة، وهو ما يجعلها عمليًا امتدادًا مموّهًا للجيش الإسرائيلي.

مصر بين التحفظ والبراغماتية

الموقف المصري بدا متوازنًا بين رفض الانجرار إلى معركة ليست معركته، ومحاولة الحفاظ على خيوط التهدئة مع واشنطن وتل أبيب. فالقاهرة، التي تعرف جيدًا كلفة أي مواجهة مع حماس، ترى أن نزع السلاح يجب أن يتم بالتفاوض لا بالقهر، وأن المهمة لا يمكن أن تُنجز بالسلاح، بعدما فشلت "إسرائيل" نفسها في تحقيقها رغم تفوقها العسكري الساحق.
حديث المسؤولين المصريين عن "عفو للمقاتلين الذين يسلمون أسلحتهم" يعكس إدراكًا بأن أي مقاربة أمنية خالصة ستفجّر المنطقة من جديد، وأن الحل يكمن في تحويل المقاومة إلى مشروع سياسي منظم، لا في اجتثاثها.

تركيا: بين الشرعية الدولية والهاجس الأخلاقي

أما تركيا، فتقرأ المشروع الأميركي كخطوة لتكريس واقع الاحتلال بوجه دولي ناعم. فاللغة المستخدمة في المسودة، كما يشير مصدر تركي، تُلزم القوة الدولية بنزع سلاح "جميع الفاعلين غير الحكوميين"، ما يعني فعليًا نزع سلاح كل مكونات المقاومة الفلسطينية.
أنقرة، التي لا تزال تحاول الموازنة بين خطابها الإسلامي والتزاماتها الأطلسية، ترى أن أي قوة دولية يجب أن تعمل تحت إشراف فعلي للأمم المتحدة، لا أن تتحول إلى ذراع تنفيذية للسياسات الأميركية – "الإسرائيلية". ولذلك تبدو تركيا، كما مصر، في موقع الحذر من الانجرار إلى مهمة قد تفقدها ما تبقى من رصيدها الأخلاقي في الشارع العربي.

مشروع بلا استشارة ولا شراكة

اللافت أن واشنطن لم تُجرِ أي مشاورات حقيقية مع أنقرة أو القاهرة قبل صياغة المسودة، ما يعكس نية مبيتة لتقديم مشروع جاهز على قاعدة "خذوه كما هو أو ارفضوه". هذه المقاربة ليست جديدة؛ فهي تكرار لأسلوب واشنطن في فرض الحلول من أعلى، وإعادة صياغة المشهد الإقليمي بما يخدم تصورًا أميركيًا لإدارة الصراع لا حله.

نزع السلاح... أم نزع المعنى؟

جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بمن ينفذ المهمة، بل بطبيعة المهمة نفسها: هل المقصود نزع سلاح المقاومة، أم نزع المعنى السياسي والرمزي لوجودها؟ فكل حديث عن "قوة دولية" في غزة يأتي بمعزل عن معالجة جذر المشكلة، وهو الاحتلال.
بدل أن تُبنى القوة على تفويض أممي مستقل، تنص المسودة على رفع تقاريرها إلى "مجلس سلام" يرأسه ترامب، وإنشاء مركز تنسيق عسكري على الجانب "الإسرائيلي". أي أننا أمام قوة تخضع لمجلس سياسي غير أممي، وتنسق أمنيًا مع الاحتلال أي فقدان كامل لشرعية الحياد.

وصاية بغطاء إنساني

بهذا المعنى، لا يبدو المقترح الأميركي سوى استمرارٍ للسيطرة العسكرية بصيغة أكثر قبولًا في الإعلام الغربي. فالقوة الدولية، وفق المسودة، لا تحمي الفلسطينيين بقدر ما ستحمي النظام الأمني الذي أنتج المأساة.
هي "قوة حفظ واقع" لا "قوة حفظ سلام"، إذ تُكرس انفصال غزة عن محيطها الوطني، وتُفرغ فكرة المقاومة من مضمونها، وتحوّلها إلى ملف أمني بيد أطراف خارجية.

نستنتج مما سبق بان  تحفظ القاهرة وتوجس أنقرة، توضح مدى تأزم  المشهد العربي والاسلامي فانظمة  تخشى أن تُجرّ إلى معركة جديدة، وشعوب ترى في هذه المشاريع وصاية جديدة بأدوات قديمة.
فالقوة التي يُراد لها أن تدخل غزة "لنزع السلاح" قد تُدخل معها نزع الكرامة والسيادة الفلسطينية، وهو ما يجعلها، في نظر كثيرين، الوجه الناعم لاحتلال لم يغادر أصلًا.