المئة عنصر في رفح ... رسالة القسام العملية للقوى الدولية

2025-11-10 / 07:51

أي مشروع لنزع السلاح أو تقييد قدرة المقاومة لن يكون ممكنًا ما لم يرتبط باستعادة الحقوق وتتحقق السيادة والحرية الكاملة للشعب الفلسطيني على أرضه.
Post image

فادي البرغوثي:

 رفض  كتائب القسام تسليم نحو مئة من عناصرها  متحصّنين في رفح يتجاوز كونه موقفًا تكتيكيًا، فهو تصريح عملي واستراتيجي، يحمل دلالات سياسية واضحة تجاه الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل. البيان الرسمي الذي شدد على أن «لا مكان لمبدأ الاستسلام أو تسليم النفس للعدو في قاموسنا» تحدد للخطوط الحمراء التي تراها المقاومة الغير قابلة للتجاوز، وإشارة واضحة إلى أن أي محاولة لنزع السلاح عبر آليات دولية ستصطدم بالواقع الميداني والسياسي.

الخلفية الدولية لهذا الموقف تتعلق بمسودة قرار امريكي كان من المتوقع طرحها في مجلس الأمن لتفويض قوة دولية في غزة، مهمتها تثبيت الأمن وفرض نزع السلاح من الفصائل المسلحة. أي مشروع من هذا النوع يعني إعادة رسم موازين القوة، وهو ما ترفضه المقاومة الفلسطينية باعتباره تهديدًا مباشرًا لقدرتها على الدفاع عن المجتمع الفلسطيني وحقوقه الأساسية. فرفض تسليم عناصرها  بعد رسالة عملية للأطراف الدولية بأن أي مشروع لن يكون قابلاً للتطبيق إذا لم يُراعَ ظروف الشعب الفلسطيني ومقاومته.

هنا الموقف يحمل بعدًا داخليًا وخارجيًا. داخليًا، فهو  يُؤكد على أن عناصرها  ليسوا مجرد أدوات قتالية، بل رموز للصمود والكرامة الوطنية، يعكسون قدرة المجتمع الفلسطيني على التفاعل مع المقاومة والاعتراف بدورها في حماية الحقوق الأساسية. خارجيًا، يفرض الموقف على الوسطاء والداعمين الدوليين إعادة قراءة حدود الممكن في التفاوض، ويحوّل أي بند في أي قرار دولي إلى اختبار عملي لقدرة الأطراف على فرضه. الرقم «100» يصبح رمزًا للخط الأحمر الذي لا يجوز تجاوزه، ومؤشرًا إلى أن أي محاولة لتقليص القوة العسكرية أو نزع السلاح ستواجه عقبات فعلية على الأرض.

من زاوية الاستراتيجية الإعلامية والسياسية، الإعلان عن تمسك القسام بالمقاتلين يضع أي مشروع لنزع السلاح في إطار محدودية التطبيق ما لم تُراعَ التوازنات المحلية. المقاومة هنا لا تُعرّف نفسها كسلاح فقط، بل ككيان متكامل يمثل القوة الرمزية والسياسية والاجتماعية، وأي تجاهل لهذه العناصر يجعل أي قرار دولي ناقصًا وقد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب.

هذا الموقف يظهر أيضًا أن القوة العسكرية الفلسطينية ليست مجرد أداة دفاعية، بل جزء من المعادلة السياسية العامة. أي قرار أو تدخل دولي لا يأخذ في الاعتبار هذا الترابط بين القوة والشرعية سيكون ضعيف التأثير وربما قابل للفشل، لأن الأرض ستظل تفرض شروطها، والمقاومة ستظل محافظة على أدواتها مهما كانت الضغوط.

في المحصلة، بيان كتائب القسام هو إعلان عملي لا يقبل اللبس بان الحركة  لن تسلم  سلاحها أو مقاتليها، وأي محاولة لفرض ذلك ستصطدم بالواقع الميداني والسياسي والاجتماعي على حد سواء. فالرسالة واضحة ومباشرة: لا يمكن  لأي تسوية أن تتحقق دون إدراك أن القوة العسكرية جزء لا يتجزأ من الشرعية الشعبية، وأن أي مسعى دولي لنزع السلاح يجب أن يحسب حساب هذه الثوابت، وإلا ستكون خطواته ناقصة وربما فاشلة.

رفض تسليم المقاتلين ليس مجرد  تكتيكي، بل تطبيق عملي للثوابت الوطنية والميدانية، وإعادة تأكيد للواقع الذي يرفض أي فصل بين القوة العسكرية والسياسية، بين السلاح والشرعية، وبين المقاومة والمجتمع الفلسطيني. المئة المتواجدون في رفح يصبحون رمزًا للخطوط الحمراء التي تحددها الحركة، وإشارة لكل طرف دولي  يجب أن يحترم هذه الثوابت وإلا ستصطدم محاولاته بعواقب عملية لا يمكن تجاهلها.

في النهاية، لا ينظر القسام إلى هذا الموقف بوصفه ردًّا مؤقتًا، بل باعتباره موقفًا مقاومًا أصيلًا يُعبّر عن جوهر رؤيته السياسية والميدانية، وعن وعيٍ عميق بأن القوة والسلاح يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بحماية الشعب وحقوقه. لذلك، فإن أي مشروع لنزع السلاح أو تقييد قدرة المقاومة لن يكون ممكنًا ما لم يرتبط باستعادة الحقوق وتتحقق السيادة والحرية الكاملة للشعب الفلسطيني على أرضه.