اللهجة العبرية ولغة التوراة: تزييف للواقع ومحاولة لنفي كنعانية فلسطين
2025-11-11 / 19:58
"العبرية، في جوهرها، لم تكن أكثر من لهجة محلية تشكّلت تدريجيًا بين جماعات بني إسرائيل نتيجة لاختلاطهم الطويل بثقافاتٍ ولغاتٍ أخرى، وعلى رأسها اللغة المصرية القديمة والكنعانية-الآرامية، مما جعلها لهجة طقسية لا لغة قومية حقيقية."
بقلم : ربيع البرغوثي
في الحقيقة، لا يوجد أي دليل ثابت أو قاطع — لا من علماء الآثار، ولا من علماء اللغات التاريخية — يثبت أن ما يُعرف اليوم بـ"اللغة العبرية" كانت يومًا ما لغة قائمة بذاتها، مكتملة الأركان من حيث البناء اللغوي أو التاريخي.
فالعبرية، في جوهرها، لم تكن أكثر من لهجة محلية تشكّلت تدريجيًا بين جماعات بني إسرائيل نتيجة لاختلاطهم الطويل بثقافاتٍ ولغاتٍ أخرى، وعلى رأسها اللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية) من جهة، واللغة الكنعانية-الآرامية التي كانت اللغة الأم لسكان فلسطين الأصليين من جهة أخرى.
ومع مرور الوقت، ومع تفرّق المجموعات الإسرائيلية واحتكاكها بالشعوب المحيطة، تحوّلت هذه اللهجة الممزوجة إلى ما يمكن وصفه بـ"لغة طقسية" أكثر منها لغة يومية أو قومية حقيقية.
إذا عدنا إلى أصل الحكاية، إلى النبي إبراهيم عليه السلام، نجد أن الصورة اللغوية تتضح أكثر.
إبراهيم جاء من مدينة أور في بلاد الرافدين، تلك المدينة التي كانت تعتمد في حياتها اليومية على لغتين أساسيتين: اللغة الكلدانية كلغة رسمية وإدارية، واللغة السومرية كلغة شعبية يتحدث بها العامة.
والكلدانية، بحسب تصنيف اللغات، تنتمي إلى الفرع السامي، وهي شديدة القرب من الآرامية والعربية، حتى إن بعض الباحثين يرون أن الكلدانية والآرامية كانتا وجهين للّسان السامي الواحد مع اختلاف بسيط في النطق والمفردات.
وبناءً على ذلك، عندما انتقل إبراهيم عليه السلام إلى أرض فلسطين — إلى خليل الرحمن — لم يواجه أي حاجز لغوي حقيقي مع أهل البلاد، لأن لغتهم الكنعانية-الآرامية كانت تنتمي إلى نفس العائلة اللغوية التي جاء منها، مما يعني أن أساس التواصل اللغوي كان قائمًا ومفهومًا دون حاجة لاختراع لغة جديدة.
بعد إبراهيم عليه السلام، تتواصل الحكاية مع يوسف عليه السلام، الذي عاش تجربة مختلفة تمامًا عن أبيه.
بينما بقي يعقوب عليه السلام في أرض فلسطين يتحدث بلسانها الكنعاني-الآرامي، انتُزع يوسف صغيرًا إلى مصر، حيث نشأ وتعلّم وتدرّج حتى أصبح عزيز مصر.
وهنا حدث التحوّل اللغوي الأول لبني إسرائيل. فمع انتقال يعقوب وأبنائه إلى مصر بعد أن استقر يوسف هناك، بدأت جماعات بني إسرائيل تعيش في بيئة لغوية جديدة كليًا.
فهم حملوا معهم لهجتهم الكنعانية-الآرامية، ولكن مع مرور الوقت واحتكاكهم اليومي بالمصريين، في المعاملات والأسواق والإدارة، أتقنوا أيضًا اللغة المصرية القديمة، أو على الأقل شكلها التداولي في تلك الحقبة.
ومن هنا يمكن القول إن اللسان الإسرائيلي القديم بدأ يتكوّن كلُقنة هجينة بين لهجة سامية وأخرى إفريقية-مصرية، مما جعل ما نعرفه لاحقًا بـ"العبرية" لا يظهر كلغة أصيلة، بل كنتاج تفاعل طويل بين بيئتين لغويتين مختلفتين.
وفق أغلب الدراسات التاريخية والتفاسير الدينية، الفترة بين دخول يوسف عليه السلام إلى مصر وظهور موسى عليه السلام تُقدّر بحوالي 400 إلى 500 سنة تقريبًا.
خلال هذه القرون، اندمج بنو إسرائيل في المجتمع المصري وتبنّوا مفردات وأساليب من اللغة المصرية القديمة، وضعف ارتباطهم بالكنعانية والآرامية الأصلية، ومع مرور الأجيال صار لسانهم الداخلي خليطًا بين اللهجات السامية القديمة وبعض التأثيرات المصرية.
عندما هرب موسى عليه السلام من مصر، توجه إلى مدين، حيث التقى بالنبي شعيب وتزوج إحدى بناته.
هناك أتقن موسى اللغة العربية، وهو لم يجد صعوبة في ذلك، إذ إن الكنعانية-الآرامية التي نشأ عليها تشترك في كثير من المفردات مع العربية، مما جعل الانتقال بين اللغتين سلسًا وسهلًا.
وهنا يبرز سؤال منطقي: بأي لغة نزلت التوراة على موسى؟
موسى كان يجيد المصرية، العربية، والكنعانية-الآرامية، وبالتالي من غير المنطقي القول بأن التوراة نزلت بالعبرية، إذ إن العبرية لم تكن قد تشكلت بعد.
تشكل اللهجة العبرية بدأ بعد خروج بني إسرائيل من مصر واستقرارهم في فلسطين، وهي نتيجة طبيعية لاختلاط اللغة الكنعانية-الآرامية باللغات المحيطة، وليست لغة مكتملة بذاتها في زمن موسى.
في فلسطين، بدأت اللهجة العبرية تتشكل من خليط اللغات المصرية القديمة، الكنعانية-الآرامية، والعربية.
لكن هذه اللهجة لم تصبح لغة مكتملة، بل بقيت لهجة محكية، وفقدت الكثير من أسسها مع السبي البابلي وتشتت بني إسرائيل، مما أدى إلى ضياع هذه اللهجة إلى الأبد.
أما ما يُعرف اليوم بـ"اللغة العبرية الحديثة"، فهي مشروع اصطناعي حدّده القرن التاسع عشر.
الشخص الذي يُنسب له الفضل في إحيائها هو إليعازر بن يهودا (Eliezer Ben Yehuda) من ليتوانيا، الذي بدأ جهود تحديث العبرية لتصبح لغة وطنية.
ولإعادة بناء اللغة، اعتمد بن يهودا على المخطوطات العبرية القديمة التي كانت محفوظة في النصوص الدينية والأدبية، مع ملاحظة مهمة جدًا: هذه المخطوطات كانت مكتوبة بالخط الآرامي الأبجدي، وليس بالخط العبري الحالي، إذ لم يكن هناك أصلاً خط عبري أو كتابات عبرية بالمعنى الحديث.
بن يهودا لم يخترع لغة جديدة بالكامل، بل أخذ الأساس القديم وأضاف إليه مفردات حديثة لتتناسب مع الحياة اليومية، لتصبح العبرية الحديثة لغة عملية يتحدث بها الناس في أوائل القرن العشرين، خاصة بعد الانتداب البريطاني.
وبهذا المعنى، فإن العبرية الحديثة ليست استمرارًا مباشرًا للّغة أو اللهجة الأصلية لبني إسرائيل، بل هي إعادة بناء لغة قديمة اصطناعيًا لعبت دورًا قوميًا وسياسيًا في مشروع إقامة الدولة الصهيونية.
أما العبرية القديمة، فهي لم تكن لغة مستقلة، بل لهجة محكية هجينة تداخلت فيها عدة لغات، وضاعت بالكامل بعد السبي والتشتت، مما يجعل أي محاولة وصفها كلغة قائمة بذاتها أمرًا غير دقيق.