المطر يهطل… والقلوب تغرق في غزة

2025-11-25 / 15:39

على امتداد المخيمات المنتشرة على الرمال والأطراف المفتوحة، يمكن رؤية الخيام وهي تنحني تحت ثقل مياه الامطار، وقطع النايلون ترتجف فوق رؤوس الأطفال. فكل خيمة هنا ليست بيتًا ولا ملجأً، بل مجرد محاولة يائسة لتعليق الحياة بخيطٍ رفيع.
Post image

نافذة- خاص-  لم تكن غزة بحاجة إلى اختبار جديد للألم، لكن المطر جاء هذا الشتاء كضيف ثقيل، يطرق الخيام الضعيفة كأنه يبحث عن مكان أوسع ليصبّ فيه غضبه. ومع أول قطرات المطر، تحوّلت حياة مئات آلاف النازحين إلى رحلة أخرى من الصبر، أشد قسوة من الليالي المظلمة التي سبقت العاصفة.

على امتداد المخيمات العشوائية التي تنتشر على الرمال والأطراف المفتوحة، يمكن رؤية الخيام وهي تنحني تحت وزن المياه، وقطع النايلون ترتجف فوق رؤوس الأطفال. فكل خيمة هنا ليست بيتًا ولا ملجأً، بل مجرد محاولة يائسة لتعليق الحياة بخيطٍ رفيع.

أرض تغرق وأحلام تبتلّ

ما إن بدأ المطر حتى دخل بلا استئذان إلى الخيام. اختلطت مياهه بالطين والصرف الصحي، وتحوّلت الأرض إلى مستنقع كبير. رجال يحملون الأواني لإخراج الماء، نساء يجففن أغطية مبتلّة، وأطفال يستندون إلى أمهاتهم هربًا من بردٍ لا يرحم.

كانت طفلة صغيرة تبكي وهي ترفع حذاءها الصغير المليء بالطين. لم يكن بكاؤها بسبب المطر وحده، بل بسبب الإحساس بأن هذا العالم صار أضيق من أن يمنحها زاوية جافة تتسع لخطواتها.

الخيام… قلوب ممزقة لا جدران لها

الخيمة التي كانت طوال الشهور الماضية ملاذًا هشًا، صارت الآن عبئًا إضافيًا. كثير منها انهار تحت المطر، والآخر تشرّبت أقمشته المياه حتى باتت أثقل من أن تبقى واقفة. وعندما تهبّ الريح، يبدو أن كل شيء يمكن أن يسقط: الخيمة، الغطاء، وحتى ما تبقى من صبر الناس.

في إحدى الزوايا، كان رجل خمسيني يقف بصمت أمام خيمته التي غمرتها المياه. لم يقل شيئًا، فقط وقف ينظر إليها كأنه يودّع شيئًا آخر ينزلق من حياته. هذه ليست مجرد أمتعة مبتلّة؛ إنها ذكريات من بيتٍ لم يعد موجودًا، ومحاولة للتمسك بكرامة تتناثر مع كل موجة مطر.

بردٌ يلسع العظام

لم يكن البرد هذا العام كما اعتاد الناس. فالدمار الذي خلّفته الحرب كشف غزة على السماء بلا سقفٍ ولا جدار. وهنا، البرد ليس مجرد طقس، بل عدوّ جديد يتسلل إلى الخيام، يطفئ أي دفء، ويجعل الليل أطول من أن يُحتمل.

الآباء يبحثون عن حطب، وعن بطانية أخرى، أو عن أي شيء يمكن أن يشعل دفئًا ولو بسيطًا. والأمهات يقضين الليل في محاولة منع الأطفال من الارتجاف، بينما تتسرب المياه من كل جهة وكأن المطر يتواطؤ مع القسوة.

الخوف من المرض أسوأ من المطر

اختلاط المطر بالصرف الصحي جعل الهواء ممتلئًا بروائح خانقة. الأمهات يخشين الأمراض أكثر من خوفهن من البرد نفسه. فكيف يمكن لعيادة متنقلة أن تستقبل كل هذه الحالات؟ وكيف يمكن لجسد طفل ضعيف أن يحارب البرد والمرض معًا؟

أملٌ يختبئ تحت الغيم

ورغم كل هذا الظلام، ما زالت هناك لمحة صمود يمرّرها الناس لبعضهم البعض. رجل يساعد جاره في رفع الخيمة، امرأة تشارك الأخرى بطانية، وشاب يفتح طريقًا صغيرة للأطفال كي لا يسقطوا في المستنقع.

هنا، في غزة، لم يعد المطر مجرد حالة جوية؛ لقد صار اختبارًا أخيرًا لإنسانية الناس، وقصة أخرى تكتبها المعاناة على وجوه النازحين الذين يصرّون، رغم كل شيء، على البقاء واقفين تحت السماء الممطرة حتى تنقشع الغيوم.