ما الذي أراد أن يقوله منصور عباس؟

2025-12-07 / 18:35

Post image

 

سهيل كيوان:

عملت جهات معادية للعرب والمسلمين منذ عقود طويلة على هندسة رأي عام أوروبي وعالمي يُشيطن العرب والمسلمين، لتسهيل وشرعنة العدوان عليهم ونهب ثرواتهم، وحتى قتلهم من غير تأنيب ضمير بعد تصويرهم كمتوحّشين.

نجح الغرب لعقود طويلة في بناء صورة نمطية للعربي، تمحورت حول شبقه للجنس وساديته في التعامل مع المرأة والضعفاء والمختلفين فكريًا وعقائديًا، وغبائه حيث إنه يمكن خداعه وابتزازه بسهولة كبيرة.

اشتركت في هذه الهندسة وسائل إعلام عالمية وشركات إنتاج سينمائي وفني وصحافة وسينما ورسوم متحركة وساسة وأدباء، إضافة إلى مقاطع الكاميرا الخفية التي تبدو بريئة إلا أنها موجّهة.

هناك مقاطع كاميرا خفية تظهر دخول شخص ما إلى مكان عام يهدّد بتفجير نفسه. يفتح أزرار معطفه فيظهر حزام ناسف، أو يفتح حقيبة وهو يهدّد فيركض الناس هلعًا إلى كل اتجاه.

يضحك المشاهدون، ولكن تبقى صورة الرجل الملتحي الذي يرتدي الجلابية “الإرهابي”. أما المسلم المنسجم مع شيطنة المسلمين ويسارع لإدانتهم ويتهم ثقافتهم بالعنف، فيوصف بأنه المتنوّر والقيادي وهو من عائلة عريقة تلقّت تربيتها وثقافتها على يد أساتذة من باريس أو لندن.

هل يوجد بالفعل حركات إسلامية إرهابية؟ نعم يوجد، ولكن كم يشكّل هؤلاء من الحركات الإرهابية في العالم؟ هناك من عشرة إلى خمسة عشر تنظيمًا إسلاميًا (يشمل الخلط بين حركات تحرّر وحركات إرهابية) صُنّف إرهابيًا، من بين حوالي ألف تنظيم صُنّف إرهابيًا، بعضها ينتمي إلى ديانات أخرى، وأكثرها تنظيمات يسارية وقومية، وذلك في العقود الخمسة الأخيرة.

في نشرات الأخبار، عندما يقع أي اعتداء على مدنيين، فالخبر يبدأ بأنه “هناك اشتباه في شخص ذي ملامح عربية” أو اشتباه في شخص زار المسجد قبل أيام، مما يرسّخ لدى المستمع أن مصدر الإرهاب هو المسجد، حتى بعد كشف حقيقة منفّذ العملية التي قد تكون حالة فردية لا علاقة لها بأي تنظيم.

يتحمّل الساسة العرب، بقصد أو من دون قصد، جزءًا من إعادة إنتاج الصورة النمطية التي رُسمت عن العرب والمسلمين في الوعي العالمي. فهم يتبنّون لغة سياسية وإعلامية تُشيطن خصومهم، ويصفون كل حركة إصلاح أو معارضة بأنها "إرهاب"، ما يسهم في تعزيز تلك الصورة التي طالما استُخدمت لتبرير السياسات الدولية تجاه المنطقة العربية بحجة مكافحة الإرهاب.

كلمة "إرهاب" أداة سياسية جاهزة تُطلق على أي خلاف، وهو ما يفتح الباب أمام “هندسة وعي” يُعاد فيها تشكيل الإدراك العام للعربي والمسلم باعتباره خطرًا ثقافيًا لا فاعلًا سياسيًا له ظروفه وتاريخه.

حين يسمع العالم كيف أن العرب، وخاصة قادتهم، يصفون خصومهم بهذه اللغة العدائية، يصبح من السهل تعميم الصورة وترسيخها، وحتى الاستشهاد بها كما يفعل نتنياهو، فهو يزعم أن قادة عربًا يسألونه كيف يوجد عندكم في إسرائيل فروع لحركة الإخوان المسلمين.
ومن الملفت سقوط تيارات قومية ويسارية و“فلاسفة” منهم بالذات في هذا الفخ وتأكيده، لتحقيق مكاسب ضيقة ضد خصومهم السياسيين أو لتحقيق طموحات شخصية.

في هذا السياق الإقليمي والمحلي العام المعادي للمسلمين، أثار إعلان منصور عباس عن عزمه فصل حزبه (الموحدة) سياسيًا وتنظيميًا عن مجلس شورى الحركة الإسلامية الجنوبية نقاشًا على صفحات التواصل الاجتماعي وغيرها.

فالخطوة التي تبدو في ظاهرها محاولة لتكريس هوية مدنية برلمانية للقائمة الموحدة غير مرتبطة بالحركة الإسلامية، تحمل أبعادًا تتجاوز حدود الخلاف التنظيمي.

قدّم منصور عباس تفسيرًا للخطوة باعتبارها ضرورة لمواصلة العمل السياسي ضمن إطار مدني واضح.

أتى تصريحه بعد تلويح نتنياهو بإخراج الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية عن القانون، وذلك بعد إخراج الجناح الشمالي قبل حوالي عشر سنوات.

كذلك بعد لقاء جرى بين الشيخين رائد صلاح وصفوت فريج أعلنا خلاله روح الأخوة التي تجمع بين الجناحين واحترام الاجتهاد، وضد التخوين والتجريح.

المفارقة هي أن الانفصال ذاته بدا كأنه يحاول إزالة عائق ما من طريقه.

فما الذي أراد قوله وقصده منصور عباس من تصريحه هذا؟ الذي يبدو كأنه تصحيح لمسار يحتاج إلى معالجة، أو رد على تصريح نتنياهو بأنه يفكّر في إخراج الجناح الجنوبي للحركة عن القانون، وكذلك يبدو ردًا على بيان الشيخين رائد صلاح وصفوت فريج قبل حوالي أسبوعين، الداعي إلى احترام الاختلاف ورفض التجريح والتخوين والتقارب بهدف خدمة القيم المجتمعية التي نشأت على أساسها الحركة منذ أكثر من نصف قرن.