"الأخ الأكبر"... حين يشكل رجال الأعمال الوعي الجمعي
2025-12-21 / 11:10
سلامة عبد الحميد:
لم يعد التلفزيون التقليدي ملك الشاشات، ولا الصحف حارسة الحقيقة الوحيدة، إذ برزت في العقدين الأخيرين وسائط جديدة أعادت تشكيل وعي مليارات البشر. إنّها منصّات الدراما الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، تلك الأدوات التي تخترق جدران البيوت، وحواجز اللغات والثقافات، لتصبح المصدر الأوّل للترفيه والمعلومات، وتحدّد للبشر المسموح والممنوع، حتى لو كان يخالف القيم المُتوارثة.
وبينما يشاهد الشخص العادي ويتفاعل ويعلّق ويشارك، تجري في الخلفية عمليات استحواذ هائلة، تضع مفاتيح هذا الوعي الجمعي في أيدي قلّة من رجال الأعمال، لديهم في العادة مخطّطات تتجاوز الربح إلى السيطرة، والتحكّم، والهيمنة.
ليس الأمر مجرّد منافسة تجارية، أو صراع على حصص سوقية، فنحن أمام تحوّل جذري في طبيعة السلطة، تحوّل ينذر بتحقّق رؤية الراحل جورج أورويل في روايته الأيقونية "1984"، لكن مع فارق جوهري واحد، فالأخ الأكبر لن يكون طاغية يحكم من قصر حكومي كما صوّره أورويل، بل سيكون رجل أعمال يُدير إمبراطورية مالية رقمية من مكتب أنيق، ربما في وادي السيليكون.
في رواية "1984" التي نُشرت في عام 1949، قدّم جورج أورويل رؤية كابوسية لمجتمع شمولي يحكمه حزب واحد بقيادة شخصية غامضة تُدعى "الأخ الأكبر". في هذا المجتمع، تراقب الحكومة كلّ شيء عبر شاشات التلفزيون ثنائية الاتجاه، وتسيطر على المعلومات، وعلى التاريخ، وحتى على اللغة نفسها. هذا الحزب الحاكم لا يكتفي بالسيطرة على أفعال الناس، بل يسعى للسيطرة على أفكارهم ومشاعرهم.
ظلت الرواية لعقود تحذيراً صارخاً من خطر الأنظمة الشمولية، لكن ما لم يتوقّعه كثيرون أنّ الرقابة والسيطرة على المعلومات لن تصبح مقصورة على الحكومات، بل ستكون في أيدي شركات تجارية خاصة. الفارق الأساسي بين تحذير أورويل وواقعنا الحالي، هو أنّ "الأخ الأكبر" لا يرتدي زي الجنرالات، ولا يعمل من قصر رئاسي، إنه يرتدي سترة كاجوال، ويعمل من مقرّ شركة متعدّدة الجنسيات، أو بالأحرى متعدية للجنسيات.
لا يحتاج الأخ الأكبر الجديد جيشاً أو شرطة أو أجهزة استخبارات، فلديه خوارزميات رقمية تعرف عنك الكثير، ربما أكثر مما تعرف أنت عن نفسك، ولديه منصّات تحدّد ما يمكن أن تراه وما لا يُمكنك رؤيته، سواء وفق رغباته وأهواءه، أو بما لديه من بيانات مفصّلة عن تفضيلاتك وعاداتك، ومخاوفك ورغباتك، والأهم من كلّ ذلك، أنّ لديه القدرة على التأثير في ذلك كله بطرق خفية، ربما لن تلاحظها حتى.
عندما نتحدّث عن الدراما، لا نتحدّث عن مجرّد ترفيه، أو وسيلة لتمضية الوقت، فالمسلسلات والأفلام والوثائقيات باتت أداة تشكيل وعي بامتياز، وهي تقدّم نماذج السلوك، وتعرّف الخير والشر، وترسم صورة العدو والصديق، وتحدّد المقبول والمرفوض اجتماعياً.
وأظهرت دراسات عديدة أنّ المسلسلات التلفزيونية تؤثّر على آراء المشاهدين حول قضايا معقّدة، مثل الهجرة، والعدالة الجنائية، والعلاقات بين الأعراق والأديان. مسلسل واحد يمكنه أن يغيّر نظرة ملايين المشاهدين تجاه قضية ما أكثر من مئات المقالات الصحافية أو التقارير الإخبارية. والسبب بسيط: الدراما تخاطب العواطف قبل العقل، وتغلّف رسائلها بقصص إنسانية يسهل التعاطف معها والتأثّر بها.
وتعمل خوارزميات منصّات الدراما الرقمية بطريقة أكثر نعومة وأشدّ فعالية، فهي لا تمنعك من مشاهدة محتوى معيّن، بل ببساطة لا تقترحه عليك. إنها لا تحذف آراء معيّنة، بل تضعها في أسفل القائمة حيث لن يراها أحد، على عكس ما كانت تفعل الرقابة التقليدية، والتي تمنع المحتوى بشكل صريح.
هذه الخوارزميات تُصمّم وتُحسّن بواسطة فرق صغيرة من المهندسين والمديرين الذين يعملون وفق رؤية وأولويات الشركة، وقراراتهم التقنية هي في الحقيقة قرارات سياسية واجتماعية وثقافية، لكنها تُتخذ من دون أيّ مُساءلة حقيقية.
بحلول عام 2024، كانت "نتفليكس" تضم أكثر من 260 مليون مشترك حول العالم، يشاهدون محتواها بعشرات اللغات. لم تعد المنصّة مجرّد خدمة أميركية، بل أصبحت مؤسّسة عالمية تنتج محتوى محلياً في كوريا الجنوبية، وفي الهند وإسبانيا والبرازيل، وفي مصر والأردن وغيرها. ويعني هذا الانتشار الهائل أنّ لدى "نتفليكس" قدرة على التأثير في وعي أجيال كاملة من المشاهدين، فالمراهق في القاهرة، والشاب في ساو باولو، والأم في مدريد، جميعهم يستهلكون محتوى تقرّره خوارزميات نتفليكس، وتنتجه استديوهاتها، وتوزّعه منصّتها، ومع إتمام صفقة استحواذها على "وارنر براذرز"، فإنّ مجرّد طرح فكرة هذا الاستحواذ تكشف عن اتجاه مُقلق في صناعة الترفيه والإعلام، هو التركيز المُتصاعد للسلطة.
ليست "وارنر براذرز" مجرّد استديو سينمائي، إنها واحدة من أعرق شركات الإنتاج وأكبرها في تاريخ هوليوود، وتمتلك مكتبة ضخمة من الأفلام الكلاسيكية والحديثة، ما يعني أنّ الاستحواذ يجعل "نتفليكس" لا تتحكّم فقط في منصّة التوزيع، بل أيضاً في قدر هائل من المحتوى الذي شكّل وعي أجيال من المشاهدين حول العالم.
لدينا أمثلة سابقة توضّح الخطر، ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2022، استحوذ إيلون ماسك، مالك سبيس إكس وتسلا، على منصّة "تويتر" مقابل 44 مليار دولار، في واحدة من أكثر عمليات الاستحواذ إثارة للجدل في تاريخ وسائل التواصل الاجتماعي. ما حدث بعد ذلك كان درساً في كيف يمكن لرجل أعمال واحدٍ أن يغيّر قواعد اللعبة في منصّةٍ يستخدمها مئات الملايين من الأشخاص.
قرّر ماسك تغيير سياسات المحتوى، وأعاد حسابات محظورة، وعدّل الخوارزميات، وأدخل تغييرات جذرية على آليات التحقّق والمصداقية، حتى أنه غير اسم المنصّة نفسها إلى "إكس". بغضّ النظر عن موقفك من هذه التغييرات، فإنّ الرسالة كانت واضحة: عندما يمتلك شخص واحد منصّة تواصل عملاقة، تصبح لديه قدرة هائلة على التأثير في طبيعة الحوار العام، وما يُرى وما يُخفى، وما يُعزّز وما يُقمع. وفي الوقت الحالي، يُظهر لاري إليسون، مؤسّس أوراكل وأحد أغنى أغنياء العالم، اهتماماً بالمشاركة في الاستحواذ على منصة "تيك توك"، المنصّة الصينية التي اكتسحت العالم خلال العقد الأخير، وأصبحت الأكثر شعبية بين الشباب والمراهقين. و"تيك توك" ليست مجرّد تطبيق لنشر مقاطع الفيديو القصيرة، إنها أداة تشكيل لثقافة جيل كامل، تحدّد ما هو رائج وما هو مهمّش، وتؤثّر في كلّ شيء، من الموسيقى إلى الموضة إلى الآراء السياسية. ويعكس السعي للسيطرة على المنصّة فهماً عميقاً لأهميتها في تشكيل المستقبل، فمن يسيطر على منصّة يقضي عليها ملايين المراهقين ساعات يومياً، يمكنه أن يسيطر على تشكيل وعي الجيل القادم.
لا يمكن الحديث عن صفقات الاستحواذ من دون التطرّق إلى أحد أخطر تأثيرات سيطرة عدد قليل من الشركات على تدفّق المعلومات والمحتوى، وهو "فقاعة المعلومات"، فالخوارزميات مُصمّمة لتعظيم التفاعل والوقت المُستهلَك على المنصّة، وهي تفعل ذلك عبر تقديم محتوى يتوافق مع تفضيلاتك وآرائك، ومع تدخّل مدروس من الخوارزميات، يمكن أن يعيش كلّ مستخدم في واقع معلوماتي مختلف، ويستهلك محتوى درامياً وإخبارياً مختلفاً، ما يجعله يطوّر رؤية مختلفة للعالم. هذا التشظي يجعل الحوار العام أصعب، والتوافق الاجتماعي نادر، كما يعمّق الاستقطاب.
تكمن القوّة الحقيقية للسيطرة على المحتوى الدرامي والإعلامي، إذن، في القدرة على تغيير المعايير الاجتماعية بشكل تدريجي. عندما تعرض مسلسلات نتفليكس باستمرار أنماط حياة معينة، وقيم وسلوكيات معينة، فإنّها تطبّعها تدريجياً. بعد فترة، يصبح ما كان مرفوضاً أو غريباً قبل سنوات قليلة عادياً ومقبولاً بعد مئات الساعات من التعرّض له في السياقات الدرامية. ويحدث هذا التطبيع من دون وعي كامل من المشاهدين، ومن دون قرار واعٍ بتغيير قيمهم أو معاييرهم. إنه تغيير ثقافي تقوده الشركات، لا الشعوب ومؤسّساتها المُنتخبة ديمقراطياً.
الشركات الكبرى بدورها تفضّل المحتوى الآمن تجارياً، والذي يحقّق أعلى نسب مشاهدة وأقل قدر من الجدل. يعني هذا أقلّ مُجازفة في القصص المروية، وأقلّ تمثيل للأصوات الهامشية، وأقلّ تحد للأفكار السائدة. وكلما زاد تركيز الملكية في صناعة الترفيه والإعلام، كلما قلّ التنوّع في المحتوى المُتاح. عالم تسيطر فيه ثلاث أو أربع شركات على 80% من المحتوى الذي يشاهده مليارات البشر هو عالم أفقر فكرياً وثقافياً، حتى لو كان أكثر تنظيماً وكفاءة تجارية.
وعندما يسيطر رجال الأعمال على المنصّات، وبالتالي المحتوى، تصبح إمكانية التلاعب السياسي واقعية. قد لا يكون التلاعب صريحاً أو مباشراً، بل خفياً عبر تعزيز روايات معينة، وتهميش أصوات معينة، وتأطير قضايا بطرق معينة.
علمنا التاريخ أن تركيز السلطة الإعلامية في أيدي قلّة دائماً ما يُستغل سياسياً، وما يجعل الأوضاع الحالية أخطر أنّ هذه القوّة الإعلامية أصبحت عابرة للحدود، وأكثر تأثيراً من أيّ سلطة على مدار التاريخ.
وبالنسبة للدول والمجتمعات الأصغر، تعني سيطرة شركات أجنبية على المحتوى الذي يستهلكه مواطنوها فقداناً تدريجياً للسيادة الثقافية، فعندما تتشكّل قيم الشباب وتطلّعاتهم بناءً على محتوى تنتجه وتوزّعه شركات لا تخضع لأيّ مساءلة محلية، فإنّ الهوية الثقافية نفسها تصبح في خطر.
لا يعني هذا العداء للمحتوى الأجنبي، أو الانغلاق الثقافي، بل يعني ضرورة الحفاظ على توازن يسمح للثقافات المحلية بالازدهار والوصول إلى جمهورها، من دون أن تُسحق تحت وطأة الإنتاجات الأجنبية العملاقة. وأوّل خطوة في مواجهة هذا التحدي الخطير هي الوعي، وإدراك أنّ ما نشاهده ونقرأه ونتفاعل معه ليس مُحايداً، بل هو نتيجة قرارات وخوارزميات وأولويات تجارية. هذا الوعي يجعلنا قادرين على التساؤل: لماذا يقترحون هذا المحتوى؟ ما هي الروايات التي لا أراها؟ من الذي يستفيد من تشكيل رأيي بهذه الطريقة؟
تبدأ المقاومة العملية إذن بتنويع مصادرنا، وعدم الاعتماد على منصّة واحدة أو مصدر واحد، بل البحث عن محتوى من مُنتجين مستقلين، ومنصّات أصغر، وثقافات مختلفة، إذ إن تنويع الاستهلاك الإعلامي هو درع مهم ضدّ التلاعب والتضليل.
علينا أيضاً دعم المنتجين المستقلين، وهذه طريقة لضمان استمرار وجود بدائل خارج سيطرة الشركات العملاقة، فكلما كان هناك منتجون مستقلون، كانت هناك مساحة أكبر للأصوات المتنوّعة والتجريب الفني.
وقد بدأت حكومات ومشرّعون في العالم يدركون خطورة الاحتكار الدرامي والإعلامي، وأُقرّت قوانين لمكافحة الاحتكار، وتنظيم الخوارزميات، وفرض الشفافية على سياسات المحتوى، وهذه كلّها أدوات يمكن استخدامها لضمان ألا تتحوّل هذه الشركات إلى "أخ أكبر" بلا رقيب. ويتمثّل التحدي القائم في أنّ هذه الشركات عابرة للحدود، وأقوى من كثير من الحكومات، ما يتطلّب تعاوناً دولياً، وإرادة سياسية قوية، كما أنّ هناك حاجة لتطوير نماذج بديلة للمنصّات الرقمية، نماذج لا تكون مدفوعة بالربح فقط، بل بالمصلحة العامة، أو مملوكة للمستخدمين، وربما تعاونيات إعلامية، أو مؤسّسات عامة تقدّم بديلاً لما تقدّمه الشركة الربحية العملاقة.
إنها معركة المستقبل، فللمرّة الأولى تمتلك قلّة قليلة من الأفراد القدرة على التأثير في وعي مليارات البشر بطرق لم تكن ممكنة من قبل. هذه القدرة لا تأتي من خلال السلطة السياسية أو العسكرية، بل من السيطرة على البنية التحتية الرقمية والإعلامية التي باتت تشكّل حياتنا اليومية.
والتحذير الذي أطلقه جورج أورويل قبل أكثر من 70 سنة لم يفقد راهنيته، بل ربّما أصبح أكثر صلة بواقعنا من أيّ وقت مضى. لكن الأخ الأكبر اليوم لا يأتي بالشكل الذي توقّعه أورويل. إنه لا يقدّم نفسه ديكتاتوراً أو طاغية، بل مبتكراً ورجل أعمال ومقدّم خدمات. لكن النتيجة قد تكون واحدة: مجتمع يفقد تدريجياً قدرته على التفكير المستقل، والحوار الحر، والتنوّع الثقافي.
والمعركة من أجل مستقبل حر ومتنوّع ليست تقنية فقط، بل هي معركة ديمقراطية وثقافية وإنسانية. إنّها معركة كلّ فرد يقرّر أن يكون واعياً بما يستهلكه، وكلّ مبدع يختار الاستقلال على الاستسلام، وكلّ مجتمع يقرّر حماية ثقافته وهُويّته. الأخ الأكبر الجديد قوي، لكنه ليس قدراً محتوماً، فالخيارات ما زالت في أيدينا. السؤال هو: هل سنختار الوعي والمقاومة، أم سنستسلم لما تقدمه لنا الشاشات؟
(العربي الجديد)