قضية الاسرى ... أزمة شخص أم أزمة نهج ومن هو المسؤول ؟!
2025-12-23 / 03:35
المطلوب ليس تحسين التعليم، بل ضبط السردية الوطنية وحصر الفكر الفلسطيني في جغرافيا منزوعة من سياقها التاريخي، في وقت يفرض فيه الاحتلال روايته بالقوة، ويستبيح الأرض والذاكرة من دون أي التزام.
فادي البرغوثي:
القضية المطروحة اليوم ليست خلافًا مع شخص بعينه، ولا سجالًا سياسيًا حول تصريح أو إجراء إداري، بل مسألة وطنية تمسّ جوهر الصراع وطبيعة المرحلة. من الخطأ اختزالها في اسم الدكتور أحمد مجدلاني، لأن ذلك يحجب الحقيقة الأساسية فالقرار لم يصدر عن فرد، بل عن منظومة سياسية قائمة، وعن قيادة تنفيذية في السلطة ومنظمة التحرير تخضع منذ سنوات لضغوط أميركية وإسرائيلية وأوروبية، وتتعامل معها باعتبارها سقفًا لا يجوز كسره.
التركيز على اسم واحد يضلّل النقاش العام، لأنه ينقل الصراع من مستوى النهج إلى مستوى الأشخاص. فالرجل، في هذا السياق، حلقة من سلسلة، وربما الحلقة الأضعف فيها، أما السلسلة نفسها فهي موضع المساءلة. السؤال الحقيقي ليس من وقّع؟ بل لماذا قُبل أصلًا بمنطق يحوّل القضايا الوطنية المركزية إلى ملفات قابلة للتفاوض مع الخارج؟
قضية الأسرى ليست بندًا ماليًا ولا امتيازًا اجتماعيًا، بل نتاج مباشر للصراع مع مشروع استعماري إحلالي. وان الأسرى لم يُعتقلوا بسبب مخالفة قانونية، بل لأنهم واجهوا الاحتلال. لذلك فإن أي مساس بحقوقهم، أو التعامل معها بوصفها عبئًا سياسيًا أمام المجتمع الدولي، يعني تبنّيًا غير مباشر لرواية الاحتلال، حتى لو جرى ذلك تحت ذريعة الواقعية أو الضرورة.
ولا يقتصر هذا المسار على الأسرى وحدهم، بل يمتدّ ليطال عوائل الشهداء والجرحى، في محاولة لإعادة تعريف تضحياتهم بوصفها “إشكالية مالية” يجب ضبطها وفق اشتراطات المانحين. عوائل الشهداء والجرحى ليست فئة اجتماعية تطلب المساعدة، بل جزء أصيل من البنية الكفاحية للشعب الفلسطيني، وحقوقها ليست مِنّة من سلطة ولا منحة من الخارج، بل التزام وطني نابع من طبيعة الصراع نفسه وبالتالي فان المساس بهذه الحقوق يعني عمليًا فصل الشهادة والجرح عن معناهما السياسي.
الضغط الأوروبي – الأميركي في هذه الملفات ليس تقنيًا ولا بريئًا، بل جزء من مسار طويل يهدف إلى إعادة تعريف الصراع، لا باعتباره صراع تحرر وطني، بل نزاعًا إداريًا بين “طرفين”. في هذا الإطار، يُطلب من السلطة تقديم أوراق اعتمادها السياسية عبر التنازل عن أكثر الرموز تجذّرًا في الوعي الوطني، فيما لا يُطلب من الاحتلال أي التزام، لا بوقف الاستيطان، ولا بإلغاء قوانين إعدام الأسرى، ولا حتى باحترام الاتفاقيات التي أعلن بنفسه نسفها.
ويزداد خطورة هذا النهج في لحظة تعلن فيها حكومة الاحتلال، علنًا ومن دون مواربة، أنها تخلّت عن مشروع التسوية، وأن برنامجها الفعلي هو الضمّ والتهجير وفرض الوقائع بالقوة. في ظل هذا الواقع، يصبح الاستمرار في تقديم التنازلات من طرف واحد فعلًا سياسيًا عقيمًا، لا يحمي الحقوق ولا يحفظ ما تبقى من أوراق القوة.
في هذا الاطار يمكن للسلطة، أن تحوّل الرفض الشعبي الواسع لهذه السياسات إلى عنصر قوة تفاوضية، وأن تقول بوضوح إن هناك ملفات لا تملك تفويضًا شعبيًا للتنازل فيها. لكن لاسف في الفترة الاخيرة يجرى التعامل مع الموقف الشعبي بوصفه عبئًا داخليًا يجب احتواؤه، لا سندًا سياسيًا يجب الاتكاء عليه.
ولا يتوقف هذا النهج عند ملف الأسرى وعوائل الشهداء والجرحى، بل يمتدّ إلى محاولات العبث بالمناهج الفلسطينية تحت عنوان التطوير. فالمناهج ليست مسألة تربوية محايدة، بل ساحة اشتباك على الوعي والرواية. المطلوب ليس تحسين التعليم، بل ضبط السردية الوطنية وحصر الفكر الفلسطيني في جغرافيا منزوعة من سياقها التاريخي، في وقت يفرض فيه الاحتلال روايته بالقوة، ويستبيح الأرض والذاكرة من دون أي التزام.
الأمر ذاته ينطبق على قانون الانتخابات المطروح، الذي لا يمكن التعامل معه كإجراء تنظيمي عادي. جوهر هذا القانون يكمن في دلالته السياسية: نقل الاعتراف بإسرائيل من مستوى القيادة السياسية إلى القاعدة الشعبية، وتحويل المشاركة الانتخابية إلى تفويض جماعي لمسار سياسي بات الاحتلال نفسه يعلن موته. فالصمت عن هذا القانون، في ظل حكومة إسرائيلية تنسف الاتفاقيات وتتبنّى مشروعًا تهجيريًا، ليس براغماتية، بل تفريطًا استراتيجيًا.
الخلاصة أن ما يجري ليس قرارات متفرقة، بل مسار واحد يقوم على منطق الرضوخ التدريجي تحت ضغط الخارج، من الأسرى وعوائل الشهداء والجرحى، إلى المناهج، إلى قانون الانتخابات. المشكلة في النهج الذي يتعامل مع الحقوق الوطنية بوصفها أوراق تفاوض لا ثوابت كفاحية. والتراجع عن هذا النهج لم يعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة سياسية، لأن ما انتُزع بالتضحية لا يُفرَّط به تحت الضغط،