فلسطين تودع محمد بكري… صوت الفن والموقف

2025-12-24 / 16:16

دفع محمد البكري ثمن مواقفه، ملاحقات قضائية، وحملات تحريض، ومحاولات كسر وتشويه، لكن الرجل الذي وقف أمام العالم ليقول "جنين، جنين " لم يكن من طينة الذين يتراجعون. كان البكري يعرف أن الفن الذي لا يدفع صاحبه ثمنه ليس فنًا، والحقيقة التي لا تُغضب الاحتلال ليست كاملة، لذلك بقي واقفًا، ومطمئناً لاختياره حتى لحظة رحيله.
Post image

نافذة - خاص - فادي البرغوثي: 

غاب محمد بكري، فخسر الفلسطيني واحدًا من أكثر أبنائه صدقًا وشجاعة، وخسر الفن الفلسطيني صوتًا لم يقف يومًا في المنطقة الرمادية. لم يكن بكري ممثلًا  في مشهد مزدحم، بل كان إنسانًا كبيرًا، اختار أن يجعل من الفن موقفًا أخلاقيًا، ومن الكلمة جسدًا يقف في مواجهة القمع، ومن الذاكرة سلاحًا لا يصدأ.

وُلد محمد بكري من رحم هذا الشعب، وحمل فلسطين لا كهوية جاهزة، بل كجرح مفتوح، وكأسئلة لا تهدأ. كان ابن الجليل الفلسطيني، ذلك المكان الذي يُطلب من أهله أن يكونوا شهود زور على تاريخهم، وأن يختاروا يوميًا بين الصمت أو التشويه، بين الخنوع أو النجاة الفردية. لكنه اختار الطريق الأصعب بأن يقول الحقيقة كما هي، بلا رتوش، وبلا حسابات. لذلك لاحقه الاحتلال، ولم تغفر له الصهيونية خروجه عن النص، ولا وقوفه في صف الضحية حين أرادت له أن يكون زينةً للجلاد.

عرفه الناس فنانًا عظيمًا متواضعا، لا تفصله المسافة بين خشبة المسرح والشارع. كان يشبه الفلسطيني العادي في بساطته، ويشبه فلسطين في عناده، وفي إصراره على البقاء واقفًا مهما اشتدت الرياح.

محطته الفارقة في الوعي الجمعي كانت حين جسّد «المتشائل» لإميل حبيبي. لم يكن الدور تمثيلًا فحسب، بل قراءة عميقة لمأساة الفلسطيني في الداخل، ذلك الذي يُدفع ليختار «الخنزع» كحلٍّ مؤقت، بينما يعرف في قرارة نفسه أن المواجهة مؤجلة لا ملغاة. وبصوت محمد بكري، صار المتشائل شاهدًا على عبث التعايش الزائف، وعلى عنصرية دولة تريد الفلسطيني حاضرًا كجسد، غائبًا كوعي

دفع البكري ثمن مواقفه غاليًا، ملاحقات قضائية، وحملات تحريض، ومحاولات كسر وتشويه. لكن الرجل الذي وقف أمام العالم ليقول "جنين، جنين " لم يكن من طينة الذين يتراجعون. كان يعرف أن الفن الذي لا يدفع ثمنه صاحبه ليس فنًا، وأن الحقيقة التي لا تُغضب الاحتلال ليست حقيقة كاملة، لذلك بقي واقفًا، ومطمئن إلى اختياره.

برحيل محمد بكري، لا نكتب سيرة ممثل، بل نودّع ضميرًا فنيًا، ووجهًا من وجوه فلسطين التي رفضت أن تتحول إلى تفصيل. غادر  البكري عالمنا، لكنه لم يغادرنا. سيبقى في الذاكرة، وفي الوجدان، سيقى حاضرا في كل مرة يُرفع فيها صوت ضد الظلم، وفي كل مسرح يُقال عليه اسم فلسطين بلا خوف.

رحم الله محمد بكري، الإنسان الكبير، والفنان العظيم، والابن البار لشعبه. وداعًا أبا صالح… ستبقى ما بقيت الحكاية تُروى.