العلم، والسردية، وصراع الحقيقة في فلسطين
2025-12-27 / 13:06
يمكن القول إن التقدم العلمي لا يعمل تلقائيًا لصالح طرف سياسي، لكنه يعمل دائمًا ضد الأسطورة. ومع تراكم المعرفة، تتقلص قدرة الروايات المصنّعة على الصمود. فكما كشفت وسائل الاتصال الحديثة الطابع الاستعماري للممارسة الإسرائيلية، يكشف علم الوراثة زيف الادعاء القومي الذي قامت عليه الصهيونية.
فادي البرغوثي:
لم يكن الصراع على فلسطين في أي مرحلة من مراحله صراع قوة عسكرية مجردة فقط ، بل كان ايضا منذ بداياته صراعًا على الوعي والسردية. فالمشروع الصهيوني لم يقم على التفوق العسكري فقط، بل على بناء رواية تاريخية وأخلاقية ومعرفية، جرى تسويقها بوصفها حقيقة، لا باعتبارها ادعاءً سياسيًا. وقد نجح هذا المشروع، زمنًا طويلًا، في فرض روايته مستفيدًا من هيمنة الغرب على أدوات المعرفة والإعلام، ومن تداخل السياسة بالبحث الأكاديمي.
غير أن التاريخ لا يتوقف عند لحظة واحدة، والمعرفة لا تبقى أسيرة السرديات المصنّعة. ومع تطور العلم، ولا سيما في مجال الاتصالات والمعلومات، بدأ هذا الاحتكار يتآكل، وبدأت الرواية الصهيونية تفقد قدرتها على التحكم بالصورة وتلفيق الحقائق.
في السابق، كانت فلسطين تُرى من خلال عين الآخر. كان الفلسطيني يُختزل في أرقام أو توصيفات أمنية، وكانت الجريمة تُعاد صياغتها بلغة محايدة، تُفرغها من بعدها الاستعماري. لكن التطور في وسائل الاتصال أعاد تعريف العلاقة بين الحدث والرواية. لم يعد الخبر يمرّ حتميًا عبر مؤسسات كبرى، بل صار يُنتج من داخل الحدث نفسه. هذا التحول لم يكن تقنيًا فحسب، بل معرفيًا وسياسيًا، إذ نقل الفلسطيني من موقع الموضوع إلى موقع الشاهد.
ومع هذا التحول، انكشف التناقض البنيوي في الخطاب الصهيوني. فالدولة التي طالما قدّمت نفسها بوصفها “ديمقراطية” و“أخلاقية”، ظهرت على حقيقتها: كيان استيطاني إحلالي، يمارس العنف بوصفه سياسة دائمة لا كونه استثناء. الصورة المباشرة لم تخلق هذه الحقيقة، لكنها أزالت عنها الغطاء اللغوي الذي كان يحميها.
غير أن التحدي الأعمق للرواية الصهيونية لم يأتِ فقط من انكشاف الممارسة، بل من تفكك الأساس المعرفي الذي قامت عليه هذه الرواية. وهنا يبرز دور التقدم في علم الوراثة والجينات، لا بوصفه علمًا مسيّسًا، بل بوصفه مجالًا يشتغل بمنطق مختلف عن منطق الأيديولوجيا.
لقد ادّعت الصهيونية، منذ نشأتها، أن اليهود يشكّلون “شعبًا واحدًا” ذا أصل بيولوجي مشترك، وأن هذا الأصل يمنحهم حقًا تاريخيًا في فلسطين. هذا الادعاء لم يكن تفصيلًا ثانويًا، بل حجر الزاوية في تحويل اليهودية من ديانة إلى قومية، وفي تبرير مشروع الاستيطان. غير أن التقدم في علم الوراثة أظهر، بوضوح متزايد، أن هذا الادعاء يفتقر إلى الأساس العلمي.
فالدراسات الجينية الحديثة تشير إلى أن اليهود، في مختلف أنحاء العالم، ينتمون إلى أصول متعددة، وأن الفوارق الجينية بينهم تعكس تاريخًا طويلًا من التفاعل مع المجتمعات التي عاشوا بينها، لا سلالة واحدة متصلة عبر الزمن. ما يجمع هؤلاء ليس الأصل البيولوجي، بل الانتماء الديني . وبذلك، يتهاوى الادعاء بوجود “أمة يهودية” بالمعنى القومي الحديث.
في هذا السياق، تكتسب أطروحات المؤرخ شلومو ساند أهمية خاصة، ليس لأنها تصدر عن فلسطيني أو عربي، بل لأنها تنطلق من داخل المجال المعرفي الإسرائيلي نفسه. ساند يذهب إلى أن “الشعب اليهودي” بوصفه كيانًا قوميًا هو اختراع حديث، جرى بناؤه في القرن التاسع عشر، استجابة لحاجات المشروع الصهيوني، لا امتدادًا طبيعيًا للتاريخ. اليهودية، في هذا التصور، ديانة انتشرت عبر التحول الديني، لوليست قومية نشأت عبر رابطة الدم.
هذا التفكيك المعرفي يضع الصهيونية أمام مأزق لا يمكن حله سياسيًا. فإذا سقط الادعاء بالأصل الواحد، سقط معه الادعاء بالحق التاريخي، وتحول المشروع الصهيوني إلى ما هو عليه في جوهره: مشروع استيطاني قام على القوة، لا على الحقيقة. ولهذا السبب، ظل تعريف “من هو اليهودي” مسألة إشكالية داخل الكيان الصهيوني نفسه، يخضع لتأويلات دينية وقانونية متناقضة، وتتجنب أي حسم علمي.
من هنا، يمكن القول إن التقدم العلمي لا يعمل تلقائيًا لصالح طرف سياسي، لكنه يعمل دائمًا ضد الأسطورة. ومع تراكم المعرفة، تتقلص قدرة الروايات المصنّعة على الصمود. فكما كشفت وسائل الاتصال الحديثة الطابع الاستعماري للممارسة الإسرائيلية، يكشف علم الوراثة زيف الادعاء القومي الذي قامت عليه الصهيونية.
في المقابل، لا تحتاج السردية الفلسطينية إلى اختراع، لأنها لا تقوم على أسطورة، بل على واقع تاريخي معاش. وكلما اتسعت دائرة المعرفة الحرة، ازدادت هذه السردية تماسكًا، لا لأنها مدعومة بالقوة، بل لأنها منسجمة مع العلم والتاريخ .
بهذا المعنى، لا يبدو أن الزمن، بكل ما يحمله من تطور علمي ومعرفي، يعمل لصالح المشروع الصهيوني. على العكس، يبدو أن هذا الزمن نفسه هو الذي يعرّي المشروع، ويعيد الصراع إلى حقيقته الأولى: صراع بين استعمار يسعى إلى تثبيت أسطورته، وشعب يراهن على الحقيقة.