نافذة على العام الجديد
2025-12-31 / 21:48
نافذة- يطلّ العام الجديد كما لو كان مرآة واسعة. في عتمتها ينعكس الجرح نفسه، حيًّا في صمت البيوت، في صدى الشوارع، وفي قلب كل فلسطيني يعيش بين غزة والضفة. الزمن عندنا لا يُقاس بالساعات أو الأيام، بل بالصبر الذي نحمله، وبعدد الأنفاس التي نبقيها للحياة رغم كل القيود. هنا، كل يوم اختبار للصبر، وكل لحظة تحمل سؤالًا ... كيف نواصل العيش رغم كل شيء؟
غزة بعد عامين من الحرب لم تعد مجرد مدينة محطمة، بل جسد حيّ يختبر الحصار يوميًا. الكهرباء تنقطع، الماء يندر، الدواء يختفي، والحياة تتحرك في مساحات ضيقة، كأنها محاصرة بين جدارين لا يراهما أحد. الشتاء يزيد المعاناة على أولئك الذين يعيشون في الخيام . المطر يتسرب إلى الداخل، والبرد يلصق بالأجساد الصغيرة والكبيرة، والناس يحاولون حماية عائلاتهم بكل ما يملكون من قوة وصبر.
كل خيمة تحكي قصة صمود، كل ضحكة طفل، كل خطوة على الأرض تثبت أن الحياة تستمر رغم كل شيء. الليل الطويل في الخيام يذكر الجميع بأن الحياة هنا ليست مجرد استمرار، بل مقاومة يومية، فعل مستمر من القوة والصبر. كل صوت ريح، كل صوت مطر، يختلط بخفقات القلب، ليخبر الإنسان أن الأرض لم تنسَ، وأن الجرح ما زال حيًّا.
في الضفة الغربية، الصمت مختلف، لكنه يحمل نفس الرسالة. التلال تُسلب، المستوطنات تتوسع ببطء، الطرق تُغلق، والأرض تُحرم من أهلها. الاحتلال يراهن على الزمن، وعلى العادة على الظلم، لكنه لا يعرف أن الشعب الفلسطيني يحمل ذاكرة الأرض في قلبه. الأمل موجود في كل بيت، في كل شارع، في كل خطوة. الصمت هنا يزرع الخوف، لكنه لا يقتل الحلم. كل مصادرة، كل اقتحام ليلي، كل اعتداء، ليس سوى محاولة لتقليص مساحة الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يقلل من إرادته.
العام الجديد في فلسطين ليس وقتًا للألعاب النارية أو للاحتفالات. هو نافذة للحياة، فرصة لتجديد العزيمة، للتشبث بالحق، بالحرية، بالكرامة. كل يوم جديد دعوة للتمسك بها، للعيش بها، وللنضال من أجلها. الصبر هنا يتحول إلى فعل مقاومة، والعيش على الحدّ الأدنى يصبح شجاعة يومية. في غزة، كل خيمة، كل شارع، كل نافذة، تحكي قصة صمود يرفض أن ينتهي. وفي الضفة، كل خطوة على الأرض المحتلة، كل تل يُحافظ عليه، كل بيت صامد، هو شاهد على صبر الإنسان وقدرته على التحمل. العدالة تبدو بعيدة، لكنها موجودة في كل مقاومة، في كل عبور، في كل دمعة تحرسها السماء.
العام الجديد موجود في عيون الأطفال، في الخيام، في كل بيت صامد. في أمل بأن العدالة ستأتي، وأن الحرية ستعود، وأن الأرض ستنطق باسم أهلها مرة أخرى. هو نافذة يطل منها الفلسطيني على الحياة، على الحق، على المستقبل، رغم الحصار، رغم البرد، رغم كل شيء. الأمل هنا ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل إصرار على الحياة، إصرار على أن يكون كل يوم خطوة نحو رفع الحصار عن غزة، ووقف تمدد الاستيطان في الضفة، واستعادة الوحدة المفقودة للقضية الفلسطينية.
العام الجديد يحمل وعدًا خفيًا، وحرية محتملة، وعودة للكرامة التي طال انتظارها. هو دعوة لكل فلسطيني أن يستمر، أن يثبت على الأرض، أن يحافظ على ذاكرة الأرض الحية، وأن يرفض الانكسار مهما طال الليل. في كل خطوة، في كل خيمة، في كل تل، في كل شارع، هناك حياة تتحدى الألم، هناك روح تحرس الحلم. العام الجديد موجود بين الأنقاض والخراب، بين المطر والبرد، بين الخيام والبيوت المحصورة. هو فرصة لتأكيد أن الحياة، الحرية، العدالة، حلم وحق مستمر، مهما طال الانتظار.