نيلسون مانديلا ومروان البرغوثي.. تقاطعات التجربة النضالية

2025-12-31 / 23:35

Post image

بقلم :- اسراء عرفات 

تشترك الحالتان الفلسطينية والجنوب إفريقية في كونهما نتاج سياق استعماري عنصري طويل الأمد، قام على نفي السكان الأصليين ماديًا ورمزيًا، وعلى إعادة تشكيل الأرض والإنسان وفق منطق الهيمنة. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، ومع بروز المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، بدأ الشعب الفلسطيني يواجه سياسات تهجير وإقصاء تدريجية، بلغت ذروتها عام 1948 مع إعلان قيام دولة إسرائيل، وما رافق ذلك من تهجير جماعي للفلسطينيين وتحويل مئات الآلاف إلى لاجئين، وإخضاع من تبقّى منهم لنظام احتلال عسكري وعنصري.

وفي السياق ذاته تقريبًا، خضع شعب جنوب إفريقيا لنظام فصل عنصري امتد لقرون، بدأ تقنينه الرسمي في القرن العشرين، لا سيما عام 1948 حين وصل الحزب الوطني إلى السلطة، وباشر باتخاذ إجراءات وقرارات حوّل عبرها الأبارتهايد إلى سياسة دولة معلنة أعادت تنظيم المجتمع والحقوق والموارد على أساس عرقي صارم، مكرّسة سلطة الأقلية البيضاء، لا سيما الإفريكانية، على الأرض والموارد، بينما جُرّد السكان الأصليون من حقوقهم الأساسية.

هذا التشابه البنيوي في طبيعة القمع والعنصرية أنتج في الحالتين مسارات نضالية طويلة ومعقدة، أفرزت بدورها قيادات سياسية لم تتشكل في لحظة بطولية عابرة، بل في سياق تراكمي من الاشتباك اليومي مع منظومات الإقصاء.

في جنوب إفريقيا، تبلورت الحركة المناهضة للأبارتهايد عبر أشكال متعددة من المقاومة القانونية والسياسية والجماهيرية، وصولًا إلى الكفاح المسلّح، وكان نيلسون مانديلا أحد أبرز رموزها وأكثرهم قدرة على تجسيد هذا التحول المركب.

وفي فلسطين، تشكلت الحركة الوطنية في مواجهة استعمار استيطاني إحلالي قام على أساس تفريغ الأرض من سكانها الأصليين وإحلال المستوطنين مكانهم؛ إذ نتج عنها بروز قيادات ميدانية وسياسية لعبت أدوارًا مركزية في الانتفاضات والعمل الجماهيري، مثل مروان البرغوثي، الذي تحوّل إلى رمز نضالي جامع، ليس بوصفه قائدًا سياسيًا فحسب، بل باعتباره تعبيرًا عن تجربة جماعية مستمرة في مقاومة الاستعمار.

يتناول المقال البيئة الاستعمارية في جنوب إفريقيا وفلسطين، من حيث كونها شرطًا لإنتاج وتوليد تجارب نضالية ممتدة، ويركز على دور نيلسون مانديلا ومروان البرغوثي كقيادتين ميدانيتين أسستا حضورًا جماهيريًا مؤثرًا قبل الاعتقال. كما يستعرض تجربة السجن عند كلّ منهما باعتبارها مساحة لإعادة بناء الذات السياسية وتعزيز الرمزية القيادية، ويختتم بتوضيح حدود المقارنة بين التجربتين النضاليتين لكل منهما واختلاف مآلاتهما السياسية.

الاستعمار بوصفه شرطًا مولّدًا للتجربة النضالية

تعرضت جنوب إفريقيا لغزو استعماري هولندي ثم بريطاني، مهّد لتأسيس نظام الفصل العنصري الذي فصل السكان الأصليين عن المستوطنين البيض، ولا سيما الأقلية الإفريكانية (الذين يشكلون جزءًا من البيض المستوطنين من أصول هولندية وفرنسية)، واستند النظام إلى تبريرات دينية وسياسية لضمان تفوق هذه الأقلية على الأرض والموارد.

بالموازاة، شكّل الانتداب البريطاني لفلسطين الأرضية السياسية والقانونية التي مكّنت الحركة الصهيونية من تهجير السكان الأصليين واستيطان اليهود، بالاستناد إلى روايات دينية وتاريخية، وادعاء التفوق والتحضّر.

ففي كلا الحالتين، وُظّفت المؤسسات الديمقراطية لخدمة فئة محددة، بينما جُرّد السكان الأصليون من حقوقهم الأساسية. ورغم الاختلاف في التفاصيل التاريخية والثقافية، يظهر التقاطع في الحالتين في أسلوب التحكم بالموارد والأرض وتقييد حرية السكان الأصليين.

هذا السياق الاستعماري المتشابه في الحالتين ساهم في تطور حالة نضالية قوامها إدراك كلّ فرد أن وجوده ضمن الشرط الاستعماري يقتضي سلوك طرق المقاومة لإنهائه والتحرّر منه.

يُمكن القول إنّ التجربة النضالية لنيلسون مانديلا ومروان البرغوثي هي تجربة مقرونة بوجودهما ضمن سياق الشرط الاستعماري، فمانديلا نشأ في جنوب إفريقيا ضمن أسرة إفريقية صغيرة تحت ضغط الاستعمار البريطاني وممارسات التمييز العنصري، حيث فقد والده مكانته التقليدية نتيجة الخلاف مع الحاكم المحلي التابع للسلطات الاستعمارية.

وقد منحته نشأته في قرية معزولة، وتفاعله مع زعماء القبائل وقصصهم عن العيش المشترك قبل مجيء البيض، واطلاعه على تاريخ بلاده، ووعيه بالتمييز في المدرسة، واحتكاكه بالعنصرية في جامعة "ويتواترسراند"، وصداقاته مع ناشطين من خلفيات مختلفة، قدرة على بلورة وعي سياسي مستقل، مؤسس على ضرورة كفاح الأفارقة السود لتقرير مصيرهم السياسي بعيدًا عن التبعية للمستعمرين أو التحالف مع أي قوى خارجية.

أما مروان البرغوثي فقد تربى في أسرة فقيرة، وشهد ما شهده جميع الفلسطينيون من صنوف الانتهاك تحت الاحتلال الإسرائيلي، حيث عانى من قيود الحركة والتهديدات اليومية. كما شكل مقتل كلبه – أو صديقه الأول – على يد القوات الإسرائيلية في مطلع السبعينيات، حدثًا مؤلمًا له في طفولته، وأصبح رمزًا مبكرًا لفهم القهر والسيطرة اليومية.

بدأ وعيه السياسي بالتشكّل تدريجيًا مع بدء علاقته مع ناشطين فلسطينيين من حركة "فتح"، وتأثره بالخبرات اليومية في الصدام مع الاحتلال، ما جعله يدرك ضرورة الكفاح السياسي والمقاومة الشعبية كجزء من بناء وعي وطني متجذر في تجربة الفلسطيني اليومية.

من قيادة ميدانية إلى تأثير جماهيري ورمزي

بدأ نيلسون مانديلا نشاطه السياسي كطالب قانون بانخراطه في قسم الشباب التابع للمؤتمر الوطني الإفريقي، وشارك في إطلاق حملة "Defiance"، وهي استراتيجية لمناهضة التمييز العنصري والنظام القمعي من خلال مجموعة أفعال سلمية احتجاجية تتضمن الإضرابات والمقاطعات وغيرها من أعمال العصيان المدني.

مع تصاعد العنف، ولجوء حكومة جنوب إفريقيا إلى القمع المسلّح ووقوع مجازر دموية، من بينها مجزرة شاربفيل عام 1960، جاء التحوّل داخل قيادة المؤتمر الوطني الإفريقي نحو تبنّي الكفاح المسلّح، فكان نيلسون مانديلا أحد أبرز مهندسي تأسيس الجناح العسكري للحزب "أمخونتو ويسيزي"، الذي ركّز في سياساته العامة على استهداف المنشآت الحكومية والبُنى الرمزية للدولة، دون استهداف المدنيين.

أما مروان البرغوثي، فقد انطلق مساره السياسي مبكرًا منذ مرحلة الثانوية العامة، حيث تعرّض للاعتقال للمرة الأولى في سن مبكرة، وتوالت اعتقالاته وأحكام سجنه، قبل أن يبرز اسمه في الحركة الطلابية بترؤسه مجلس طلبة جامعة بيرزيت لثلاث دورات، في مرحلة كانت فيها الجامعة إحدى أهم ساحات العمل الوطني في الأرض المحتلة.

ومع تصاعد المواجهة خلال الانتفاضة الأولى، أُبعِد البرغوثي إلى الخارج عام 1987، حيث واصل نشاطه السياسي رابطًا بين ساحة الداخل الفلسطيني وساحة الشتات، وانتُخب عضوًا في المجلس الثوري لحركة "فتح" خلال مؤتمرها الخامس عام 1989، ما كرّس موقعه كأحد الوجوه التنظيمية الصاعدة داخل الحركة.

عاد البرغوثي إلى رام الله عام 1994 بعد اتفاق أوسلو وعودة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من الشتات، ليتبوأ موقعًا تنظيميًا مركزيًا بتعيينه أمين سرّ اللجنة الحركية العليا لحركة "فتح"، وهو ما أتاح له تعزيز نفوذه الميداني ودوره في تعبئة الأطر الشعبية، ثم انتُخب نائبًا في المجلس التشريعي عام 1996.

ومع اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول/سبتمبر 2000، برز كأحد أبرز القادة السياسيين الميدانيين، وحضر بقوة في المشهد الإعلامي العربي والدولي، قبل أن يتحوّل، مع انسداد الأفق السياسي وتصاعد المواجهة، إلى رمز للمقاومة والوعي الوطني الفلسطيني.

توضّح تجربة البرغوثي ومانديلا أن نشاطهما الميداني على الأرض وبين الجماهير هو الذي أكسبهما كل تلك الرمزية السياسية، فكلاهما جمع بين القيادة المباشرة على الأرض والقدرة على التأثير في الوعي الشعبي، فصارا رمزًا لصمود شعبيهما وتمثيلًا لقضيته الوطنية أمام العالم.

السجن كفضاء لإعادة بناء الذات السياسية

اعتُقل نيلسون مانديلا في عام 1962 نتيجة نشاطه في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي ومناهضته لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة بعد محاكمتين بتهم التحريض والتآمر للإطاحة بالحكومة.

أمضى مانديلا 27 عامًا خلف القضبان، منها 18 عامًا في جزيرة روبن، ولم تنكسر إرادته أمام الظروف القاسية أو الإهمال الطبي، إذ استثمر السجن لتعميق وعيه السياسي ومتابعة تعليمه عن طريق الدراسة عن بُعد، فحصل على درجة البكالوريوس في القانون عبر نظام المراسلة مع جامعة لندن، كما سعى لبناء شبكة علاقات مع القادة السياسيين والأسرى، مؤكدًا رفضه التخلي عن الكفاح المسلّح.

شكّلت سنوات سجن مانديلا فرصة لتوسيع مداركه القانونية والسياسية، ومكنته من تطوير استراتيجيات المؤتمر الوطني الإفريقي ومقاربتها لمستقبل جنوب إفريقيا بعد انتهاء الفصل العنصري. إذ أصبح سجنه منصة رمزية لكفاحه، ورمزًا عالميًا للنضال ضد الظلم العنصري، ما مكّنه لاحقًا من قيادة جنوب إفريقيا نحو التحول الديمقراطي وإجراء أول انتخابات متعددة الأعراق.

أما مروان البرغوثي فقد اعتُقل في 15 نيسان 2002 من رام الله، نتيجة دوره القيادي في الانتفاضة الثانية وتزعمه نشاطات كتائب شهداء الأقصى، ووجّهت له إسرائيل تهم تمويل وإدارة عمليات مسلحة ضد أهداف إسرائيلية، وحُكم عليه بخمسة مؤبّدات.

ورغم قسوة التهم والاعتقال، لم يتمكن الاحتلال من كسر إرادته، إذ عمل على تحويل السجن إلى فضاء لإعادة البناء السياسي والشخصي. رفض البرغوثي الاعتراف بالمحكمة، ترافع عن نفسه، واستمر في الدفاع عن المقاومة الفلسطينية علنًا.

وخلال سنوات سجنه في "هداريم"، حافظ البرغوثي على نشاطه السياسي والفكري، فقد شارك عام 2006 مع قيادات "حماس" و"الجبهة الشعبية" و"الجهاد الإسلامي" و"الجبهة الديمقراطية" في المعتقلات في صياغة وثيقة الأسرى، التي صارت تعرف باسم وثيقة "الوفاق الوطني"، والتي هدفت إلى تعزيز الوحدة الفلسطينية وإنهاء الانقسام بين حركتي "فتح" و"حماس". كما شارك في إضراب الكرامة عام 2017، مؤكدًا استمرار مقاومته ونفوذه السياسي على الرغم من قيد الاعتقال.

كما لعب البرغوثي دورًا مركزيًا في تأسيس جامعة "هداريم"، حيث ساهم في تنظيم برامجها التعليمية وإدارة شؤونها الأكاديمية ضمن المعتقلات، وعمل على جمع الأسرى الفلسطينيين من مختلف المناطق، وتنسيق جهودهم لتأسيس هيكل مؤسسي يمكنه تقديم برامج دراسية متكاملة، بما يتيح لهم مواصلة تعليمهم الجامعي واكتساب المعرفة السياسية والأكاديمية، فغدا هذا المشروع السجني مساحة للنشاط الفكري والمقاومة المعرفية.

تُظهر تجربة البرغوثي ومانديلا أن السجن، رغم قسوته، يمكن أن يتحوّل إلى فضاء لإعادة بناء الذات السياسية وتعزيز النفوذ الرمزي والجماهيري.

التجربة النضالية عند مانديلا والبرغوثي.. حدود المقارنة وسؤال المآل السياسي

نجحت التجربة النضالية لنيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا جزئيًا، إذ حوّل اعتقاله الطويل إلى أداة سياسية محورية، وأُفرج عنه عام 1990 بعد محادثات مع الحزب الوطني الحاكم، ففتح الطريق نحو انتخابات متعددة الأعراق في 1994، وأسّس للمصالحة الوطنية وتجاوز سنوات القهر والفصل العنصري، ذلك رغم أن الانتقال إلى الديمقراطية لم يحل جميع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ولا يزال كثير من مواطني جنوب إفريقيا يواجهون الفقر والجريمة وعدم المساواة في الخدمات والموارد.

تميزت التجربة النضالية لمانديلا بدعم داخلي ودولي قوي، إذ استطاع اعتماد سياسة التسامح الاستراتيجي والمغفرة، وإنشاء لجنة لتقصي الحقيقة والمصالحة، ما حوّل الاعتقال والنضال الشخصي إلى مكسب سياسي شامل، وفتح أفقًا وطنيًا واضحًا، مع بقاء العدالة الاقتصادية والاجتماعية هدفًا لم يُنجز بالكامل.

على النقيض، لا يزال الفلسطينيون يواجهون قيود الاحتلال المستمرة، التي تعرقل أفق تجربتهم السياسية وحقّهم في تقرير المصير. ففي صفقة تبادل الأسرى المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار عام 2025 بين إسرائيل و"حماس"، أعلنت إسرائيل رسميًا أنها لن تُدرج مروان البرغوثي ضمن قائمة الأسرى الذين سيتم إطلاق سراحهم، رغم الضغوط الدولية والإقليمية ومحاولات الوسطاء لإدراجه، ما يعكس استمرار سياسة الاعتقال كأداة للسيطرة والقمع ضد القيادات الفلسطينية ذات الشعبية الجماهيرية.

تشير المقارنة بين التجربتين النضاليتين إلى أن نجاح تجربة مانديلا لم يكن ممكنًا إلا في سياق سياسي محدد ودعم دولي ملموس، بينما تظل التجربة الفلسطينية مقيدة بتعنّت الاحتلال وإمعانه في سياسات الاستيطان والإبادة، وغياب الدعم الدولي الحقيقي لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم.

وتُدلل المقارنة على أنّ استمرار الاحتلال بسياسة الاعتقال والممارسات القمعية تجاه قيادات وطنية لها شعبية جماهيرية مثل البرغوثي يحجب أي أفق لتحقيق المصالحة الداخلية أو تحصيل الحقوق الوطنية المتعلّقة بالتحرّر والخلاص من الاستعمار.