الشعوب لا تسقط بسقوط الحكّام

2026-01-03 / 19:53

Post image

بقلم : فادي البرغوثي 

تتعامل الولايات المتحدة مع الشعوب بوصفها كتلًا صامتة، مربوطة في شخص الحاكم، فإذا سقط الحاكم سقطت الدولة، وإذا ضُرب الرأس شُلّ الجسد. هذا التصور ليس جديدًا، بل هو امتداد لعقلية إمبراطورية قديمة ترى العالم من ثقب ضيق ترى ان تم استهداف الزعيم ينهار المجتمع من تلقاء نفسه. غير أن التجربة التاريخية، قديمها وحديثها، تقول العكس تمامًا.

في فنزويلا، كما في غيرها من البلدان التي وُضعت تحت المجهر الأميركي، لا تختصر الدولة في رئيس، ولا تُختزل السياسة في قصر رئاسي. الشعب الفنزويلي خبر الحصار، وذاق طعم العقوبات، وراكم وعيًا سياسيًا تشكّل تحت الضغط لا في بحبوحة الاستقرار. ومن يراهن على تفكك هذا المجتمع بمجرد ضربة أو تهديد، يسيء قراءة البنية الاجتماعية والثقافية لشعب عرف معنى المواجهة الطويلة.

الولايات المتحدة تفترض أن الأزمة الاقتصادية كفيلة بتجفيف روح المقاومة، لكنها تتجاهل حقيقة أن الأزمات الكبرى كثيرًا ما تكون رحمًا للثورة، لا قبرًا لها. حين يُدفع المجتمع إلى الزاوية، تتراجع الحسابات الفردية لصالح منطق البقاء الجماعي، وتتحول المعاناة إلى طاقة تعبئة. في هذه اللحظة بالذات، يصبح الشعب هو الفاعل المركزي، لا الضحية السلبية كما تشتهي واشنطن.

في فنزويلا، أدوات التعبئة ليست طارئة ولا مستوردة. هناك ذاكرة نضالية، وتنظيمات شعبية، وخبرة في الصراع السياسي والاجتماعي. لذلك، فإن الحديث عن “تغيير” يُفرض من الخارج لا يأخذ في الحسبان أن أي تحوّل حقيقي، إن وقع، سيكون بفعل داخلي، وبكلفة لا يحددها البيت الأبيض ولا تُدار من غرف الاستخبارات.

الخطأ الأميركي المتكرر هو اعتقاده أن السيطرة العسكرية أو الاقتصادية تعني السيطرة على الوعي. لكن الوعي، حين يتشكّل تحت النار، يصبح أكثر صلابة وأقل قابلية للكسر. من هنا، فإن الرهان على إخضاع فنزويلا عبر الضرب أو الحصار قد يفضي إلى نتيجة معاكسة: إعادة إنتاج الشعب بوصفه قوة سياسية مباشرة، قادرة على الفعل لا مجرد موضوع للاستهداف.

هكذا تُخطئ الإمبراطوريات حين تنسى أن الشعوب لا تُربط في أشخاص، ولا تُختزل في أنظمة. الشعوب تُهزم حين تفقد إرادتها، لا حين تُضرب. وفنزويلا، مهما اشتد عليها الضغط، لا تبدو بلدًا فقد إرادته، بل ساحة مفتوحة لاحتمالات الثورة والتعبئة، حين يكتمل وعي اللحظة.