من صدام إلى مادورو..

2026-01-04 / 15:49

Post image

 

سهيل كيوان:

بخرق فجّ للقوانين والأعراف الدولية، قامت قوات أميركية خاصة بعملية كوماندو اعتقلت فيها رئيس دولة مستقلة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة من بيته. الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو، بحجة تهريب المخدرات.

عملية القرصنة هذه تعيد ترتيب الأسئلة الكبرى حول معنى السيادة وحدود القوة وما تبقى من فكرة القانون الدولي، وما هي الأسباب الحقيقية لاعتقال مادورو!

حين تمتد يد الولايات المتحدة لتعتقل رئيس دولة فإن الأمر يتجاوز شخصه بكثير، ليطال فكرة الدولة نفسها: من يملك حق المحاكمة! ومن يمنح نفسه سلطة الاعتقال! ومن يقرّر أن يُطبَّق القانون هنا ويُعلَّق بل ويُهاجَم هناك؟!

السؤال ليس ما إذا كان مادورو بريئًا أم مذنبًا في قضية تهريب مخدرات، بل كيف تحوّل الخطاب الأميركي من التلويح بالمحاكم والمؤسسات الدولية إلى الفعل العسكري المباشر؟

بهذا يعلن ترامب من دون مواربة، أن القانون الدولي لم يعد إطارًا ناظمًا لسلوك الولايات المتحدة الخارجي، بل أداة تُستعمل عندما تخدم المصالح وتُلقى جانبًا عندما تكون عبئًا.

يمكن رؤية ما جرى من زاوية ما يسميه ترامب "إعادة أميركا عظيمة". فالعظمة، في هذا المنظور، لا تُقاس بقوة التحالفات ولا بثبات النظام الدولي، بل بمدى الخوف الذي تبثّه الولايات المتحدة في خصومها. أن تعتقل رئيس دولة قائم، وأن تكسر واحدًا من أقدم المحرّمات في العلاقات الدولية، هو بالضبط ما يُقدَّم بوصفه استعادة للهيبة: هيبة تقوم على الصدمة، وعلى القول الصريح للعالم إنه لا توجد خطوط حمراء حين يتعلق الأمر بالإرادة الأميركية.

غير أن هذه الهيبة، القائمة على البطش لا على الشرعية، تحمل في داخلها بذور تقويضها. فالعالم لا يُدار بالقوة وحدها من دون أن يدفع الثمن لاحقًا، والتاريخ القريب شاهد على ذلك. قبل أكثر من عقدين، أطلقت أميركا غزوًا للعراق بحجة دعم النظام للإرهاب وتصنيع وحيازة أسلحة دمار شامل، واعتُقل الرئيس صدام حسين وأُعدم بأيدٍ محلية برعاية الاحتلال الأميركي، وقيل يومها "إن الطاغية سقط". ما سقط في الواقع الدولة نفسها. تفكك المجتمع، وانفتح باب الفوضى، وتحوّل العراق إلى ساحة للصراعات الداخلية والإقليمية.

اليوم تتخذ القصة شكلًا أكثر فجاجة وخطورة. فاعتقال مادورو يأتي خارج سياق حرب شاملة واحتلال مباشر، واختزال الدولة في شخص رئيسها، وتحويل إسقاطه إلى إعدام رمزي لسيادة بلد بأكمله. ومهما ارتفع ضباب "تجارة المخدرات" فلا يمكن قراءة المشهد وعزله عن موقف مادورو العلني والواضح من السياسة الأميركية، ومنها حرب الإبادة في غزة، إذ كان من بين القلائل من رؤساء الدول الذين وصفوا بنيامين نتنياهو صراحةً بأنه مجرم حرب وطالبوا بمحاكمته استنادًا إلى مسار المحكمة الجنائية الدولية. هنا تتبدّى الازدواجية الدولية بأوضح صورها: من يطالب بتطبيق القانون الدولي يُعاقَب، ومن تُوجَّه إليه اتهامات جرائم حرب يُحصَّن سياسيًا ويُهاجَم القضاء الذي يلاحقه.

اعتقال مادورو لا يُفهَم كاملًا من دون النظر إلى حلفائه الدوليين. فهو ليس معزولًا، بل جزء من شبكة توازنات تقلق واشنطن: شراكات سياسية وأمنية مع روسيا، تعاون اقتصادي ومالي واسع مع الصين، وتقاطع سياسي مع إيران، إضافة إلى تحالف تاريخي مع كوبا ودعم إقليمي متقلّب من دول أميركا اللاتينية، هذا يعني أن ترامب يعيد رسم خطوط النفوذ الأميركي الشمالية في أميركا اللاتينية.

من كاراكاس يمتد الخيط إلى طهران. فالمظاهرات الجارية في إيران، مهما كان لها من أسباب داخلية وتعقيدات اجتماعية حقيقية، تُستثمَر أميركيًا وإسرائيليًا ضمن المنطق نفسه: ضغط داخلي يُرافقه تهديد خارجي ومحاولة تحويل الاحتجاج من شأن سياسي-اجتماعي إلى أداة لكسر الدولة من الداخل. التهديدات المتكررة من واشنطن وإسرائيل لإيران، بالتوازي مع تغذية خطاب "تغيير النظام"، لا تختلف في جوهرها عن رسالة اعتقال مادورو بأن السيادة مشروطة والاستقرار مرهون بالامتثال لأوامر واشنطن.

من جهة أخرى لا يمكن تجاهل دعم ترامب لرئيسة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو "الحاصلة على نوبل للسلام"، فهي لا تُقدَّم باعتبارها معارضة فحسب، بل بوصفها "البديل الشرعي" الجاهز لإعادة هندسة الدولة سياسيًا واقتصاديًا على قياس المصالح الأميركية، وهذا يشمل وعودًا بخصخصة قطاع النفط، والتطبيع الكامل مع واشنطن، وانضباط في السياسة الخارجية يميل إلى صالح واشنطن. هكذا هي القاعدة... رئيس يُعتقل لأنه خارج المعسكر، ومعارضة تُصنَّع وتُدعَم لأنها داخله.

بهذا المعنى، لا تبدو الأحداث معزولة، بل هي فصول واضحة في وقاحتها وهمجيتها، من لا يدور في الفلك الأميركي يمكن محاصرته بالعقوبات أو تفجيره من الداخل أو اعتقال رئيسه. السؤال الذي يطرح: ما الذي يمكن للعالم أن يفعله؟

في مواجهة سياسة دونالد ترامب القائمة على كسر السيادة وفرض الأمر الواقع، لا يملك العالم وصفة سحرية، لكنه يملك بعض أدوات فعّالة إذا استُخدمت معًا، أوّلها تحويل الرفض الفردي إلى موقف جماعي يمنع عزل الدول المستهدَفة واحدة تلو الأخرى، والتمسّك بالقانون الدولي لا الهروب منه عبر تراكم القضايا والقرارات التي تُفقد القوة العارية شرعيتها بمرور الزمن، وثالثها بناء استقلال اقتصادي ومالي وإعلامي تدريجي يقلّل من فعالية العقوبات والابتزاز.

كذلك هناك بذور أمل في تغيير يحدث في داخل أميركا نفسها، ومثال ذلك انتخاب زهران ممداني رئيسًا لمدينة نيويورك. ولكنها آمال بعيدة المدى.

ترامب يراهن على الصدمة والخوف، لكن التاريخ يُظهر أن الصدمة تُرهِب سريعًا وتُستهلَك أسرع، بينما التكتل والتراكم ونزع الشرعية هو ما يحوّل فائض القوة إلى عبء. لا يمكن هزم هذه السياسة بالمواجهة المباشرة، ولكن بتعاون دولي يضمن تجفيف شروط نجاحها على المدى البعيد.

(عرب 48)