عصام مخول… سيرة وطنية قولاً وفعلاً ونهجاً
2026-01-06 / 17:38
طاهر تيسير المصري:
لم تأتِ معرفتي بتجربة فلسطينيي الداخل من مسافة بعيدة أو من خلال انطباعات عابرة، بل تشكّلت عبر احتكاك إنساني مباشر خلال مواسم مخيمات العمل التطوعي في الناصرة أوائل ثمانينيات القرن الماضي، ثم تعمّقت لاحقاً خلال سنوات الدراسة الجامعية في الاتحاد السوفيتي السابق، حيث التقت التجارب، وتكشّفت الهموم المشتركة، وتجلّت خصوصية نضال الفلسطيني الذي بقي في أرضه بعد النكبة، وحمل هويته تحت وطأة الإقصاء ومحاولات الطمس. في تلك الفضاءات، كان واضحا كيف أسهم قادة ومثقفون ومناضلون من فلسطينيي الداخل، ومن بينهم عصام مخول، إلى جانب أسماء راسخة مثل توفيق زياد، وإميل حبيبي، ومحمد بركة، وغيرهم كثيرون، في إبقاء القضية الفلسطينية حيّة في الوعي الجمعي، وفي وصل نضال الداخل بعمقه الوطني والقومي والإنساني، رغم العزلة والحصار السياسي ومحاولات الأسرلة.
برحيل عصام مخول، فقد الفلسطينيون في الداخل واحدا من أكثر القادة التقدميين حضورا واتساقا بين الفكر والممارسة، وأحد أولئك الذين لم يتعاملوا مع السياسة بوصفها مهنة أو موقعا أو مغنماً، بل باعتبارها التزاما أخلاقيا ومسار حياة لا ينفصل عن الناس ولا يساوم على الثوابت.
لم يكن مخول شخصية عابرة في المشهد الوطني الفلسطيني، ولا مجرد اسم ارتبط بمحطات تنظيمية أو برلمانية، بل مثّل حالة نضالية مركّبة، جمعت بين العمق الفكري والصلابة المبدئية، وبين الانخراط الشعبي والعمل المؤسسي، دون أن يفصل بين هذه المسارات أو يُخضع إحداها للأخرى. في تجربته، ظلّ الوعي شرطا للتحرر، والمعرفة أداة مقاومة، والرؤية الواضحة أساسا لأي فعل سياسي ذي معنى.
وُلد الراحل في قرية البقيعة شمال فلسطين المحتلة عام 1952، ونشأ في سياق فلسطيني مثقل بإرث النكبة وسياسات الإقصاء والتمييز. ومع التحاقه بجامعة حيفا في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، كان التعليم بالنسبة له إحدى أدوات المعرفة ومدخلا للاشتباك مع الواقع السياسي والاجتماعي. هناك، انخرط في العمل الطلابي التقدمي، وأسهم في بناء أطر طلابية عربية جامعة، شكلت لاحقا إحدى أهم روافع العمل الوطني في الداخل، وأسست لجيل كامل من الكوادر السياسية والفكرية.
من العمل الطلابي إلى الانخراط الحزبي، ثم إلى العمل البرلماني، ظل مخول وفيا لخط فكري واضح لا لبس فيه وهو التمسك بالحق الفلسطيني في تقرير المصير، ورفض المشروع الصهيوني بوصفه مشروعا استعماريا استيطانيا إحلالياً، والدفاع عن مشروع وطني ديمقراطي يقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. لم تكن هذه المواقف شعارات خطابية، بل ممارسات يومية، عبّر عنها بوضوح وصراحة وجرأة، حتى في أكثر اللحظات السياسية تعقيداً.
تميّز الراحل بقدرة نادرة على الجمع بين الصلابة المبدئية والانفتاح الفكري. كان حادا في موقفه من الاحتلال والعنصرية والفاشية، لكنه منفتحا في النقاش، يرى في الاختلاف جزءا صحيا من العمل السياسي، شرط أن يكون اختلافا نابعا من التزام وطني صادق لا من حسابات ضيقة. لذلك تحوّل، بالنسبة لكثيرين، إلى مرجعية سياسية وأخلاقية يُلجأ إليها عند اشتداد الأزمات واختلاط البوصلة، ويُقاس على مواقفه الاتجاه الصحيح في اللحظات المفصلية.
وفي هذا السياق، لم يتردد عصام مخول يوما في اعتبار الفساد، بمختلف أشكاله، وبخاصة الفساد السياسي، أحد أخطر المداخل إلى إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني وتفكيك وحدته الداخلية. كان يرى في الفساد نقيضا مباشرا للنضال التحرري، لا مجرد خلل إداري أو انحراف فردي، بل بنية مدمّرة تقوّض الثقة بين الناس وقواهم السياسية، وتُفرغ الخطاب الوطني من مضمونه، وتحوّل الانقسام إلى حالة مستدامة. لذلك ظلّ موقفه حاسما في رفض أي تبرير للفساد أو التعايش معه، مؤمنا بأن وحدة الصف لا يمكن أن تقوم على الصمت أو المساومات، بل على الشفافية والمساءلة والنزاهة، بوصفها شروطا أخلاقية وسياسية لا غنى عنها لصون النضال واستعادة البوصلة الوطنية.
وفي تجربته البرلمانية، لم يتعامل مخول مع الموقع النيابي كامتياز أو غاية بحد ذاته، بل كأداة إضافية في معركة طويلة للدفاع عن الحقوق الجماعية للفلسطينيين في الداخل. كان حضوره امتدادا لنشاطه الشعبي والحزبي، ولم ينفصل يوما عن قاعدته الاجتماعية أو عن هموم الناس اليومية، وظلّ يعتبر أن أي تمثيل سياسي يفقد معناه إن لم يبقَ مشدودا إلى الشارع وقضاياه الحقيقية.
إلى جانب ذلك، لعب الراحل دورا محوريا في بناء وتطوير الفكر السياسي الفلسطيني في الداخل، من خلال إسهاماته البحثية والثقافية، وعمله في مؤسسات بحثية وفكرية كرّست جهدها لتوثيق الرواية الفلسطينية، وتحليل بنية النظام الاستعماري الصهيوني، وتقديم قراءات نقدية للتجربة الوطنية الفلسطينية. كان يدرك أن معركة الوعي لا تقل خطورة عن معركة الأرض، وأن غياب الرؤية الواضحة يفتح الباب أمام التباس المواقف وتآكل المشروع الوطني من الداخل.
وعلى المستوى الإنساني، عُرف مخول بقربه من الناس وبساطته وتواضعه. لم تُلغِ السياسة إنسانيته، ولم تحوّله إلى شخصية معزولة أو متعالية. كان حاضرا في التفاصيل اليومية كما في القضايا الكبرى، يرى في العائلة سندا، وفي الصداقة رافعة، وفي الفرح البسيط حقا لا يتناقض مع الالتزام الوطني. جمع بين الجدية السياسية وروح إنسانية دافئة، جعلته قريبا من مختلف الأجيال والشرائح.
رحل عصام مخول في وضع فلسطيني شديد القسوة والتعقيد، تتكاثف فيه الخسارات، ويشتدّ الهجوم على الوجود الفلسطيني، وتتزايد محاولات كسر الإرادة والوعي، في سياق لا يقتصر على ضغط الاحتلال وسياساته الاستعمارية وحدها، بل يتقاطع أيضا مع أزمات داخلية متراكمة، في مقدمتها الفساد بأشكاله المختلفة، وبخاصة الفساد السياسي، الذي أضعف الثقة، وأربك البوصلة، وعمّق حالة الانقسام. وبرحيله، لا يُفتقد فرد بعينه فحسب، بل تُفتقد مدرسة كاملة في التفكير والممارسة السياسية، مدرسة ترى في المبدئية شرطا للبقاء، وفي الوحدة الكفاحية ضرورة لا خيارا، وفي وضوح الموقف ضمانة لعدم الانزلاق.
غير أن الأثر الذي يتركه أمثال عصام مخول لا يُقاس بغيابهم الجسدي، بل بما يرسّخونه من قيم، وما يورّثونه من وعي، وما يتركونه من بوصلة واضحة للأجيال القادمة. لقد رفع الشعلة وسلّمها، غير ملتبسة الاتجاه، ومن هنا تبدأ مسؤولية من بقوا في أن يكونوا على قدر هذا الإرث، لا بتقديس الأشخاص، بل بصون الطريق الذي شقّوه، والاستمرار فيه بصدق وشجاعة، وفاءً لسيرة رجل جعل من الفكر فعلا، ومن النضال نهجا، ومن الوطن قضية لا تقبل المساومة.